لا تقتصر جرائم الفساد على الرشوة المباشرة التي يُضبط فيها المال بيد الموظف، فثمة صور أكثر خفاءً وأشد ضررًا: موظف يستثمر مركزه للحصول على منفعة من جهة أخرى، أو مسؤول تتضخم ثروته تضخمًا لا يتناسب مع دخله المعلوم دون أن يُضبط في واقعة بعينها. ولمواجهة هذه الصور وضع المشرّع الكويتي منظومة متكاملة تجمع بين التجريم في قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 والرقابة الوقائية عبر نظام الكشف عن الذمة المالية الذي تشرف عليه الهيئة العامة لمكافحة الفساد المنشأة بالقانون رقم 2 لسنة 2016. ويشرح هذا المقال هذه المنظومة وضماناتها.
جريمة استغلال النفوذ
تقوم هذه الجريمة على اتجار الموظف بنفوذه الحقيقي أو المزعوم لدى جهة أخرى للحصول على منفعة:
- الفعل المكوّن: أن يطلب الجاني أو يقبل أو يأخذ عطية أو وعدًا بها مقابل استعمال نفوذه للحصول على منفعة من سلطة عامة، كتيسير معاملة أو الحصول على ترخيص أو وظيفة أو ترسية عقد.
- النفوذ الحقيقي أو المزعوم: تقوم الجريمة سواء كان للجاني نفوذ فعلي أم ادعاه زورًا، فالعلة في المتاجرة بفكرة النفوذ ذاتها وما تحدثه من زعزعة للثقة في العمل العام.
- عدم اشتراط تحقق النتيجة: تتم الجريمة بمجرد الطلب أو القبول، ولا يلزم أن تتحقق المنفعة فعلًا.
- صفة الجاني: قد يكون موظفًا عامًا أو من في حكمه، وقد تمتد النصوص إلى غير الموظفين ممن يتاجرون بنفوذهم لدى الجهات العامة.
تمييز استغلال النفوذ عن الرشوة
الخلط بينهما شائع، والفارق جوهري في التكييف والإثبات:
- محل المقابل: في الرشوة يتقاضى الموظف المقابل ليقوم بعمل من أعمال وظيفته هو أو ليمتنع عنه. أما في استغلال النفوذ فالمقابل نظير التوسط لدى جهة أخرى لا تدخل في اختصاصه.
- الاختصاص: الرشوة تفترض اتصال العمل باختصاص الموظف الفعلي أو اعتقاده ذلك، بينما استغلال النفوذ يقوم على العلاقة والتأثير لا على الاختصاص.
- الوسيط: قد يقع استغلال النفوذ من شخص لا صفة له أصلًا، بينما الرشوة تستلزم صفة الموظف في المرتشي.
- الأثر العملي: يترتب على التكييف اختلاف في العقوبة وفي عناصر الإثبات المطلوبة، ولذلك يكون الدفع بخطأ التكييف من أهم دفوع الدفاع.
الكسب غير المشروع
هو المفهوم الذي يعالج حالة الثراء الذي لا يجد تفسيرًا مشروعًا:
- الفكرة: إذا تبيّن أن ثروة الخاضع للنظام أو من يشمله من أفراد أسرته قد زادت زيادة لا تتناسب مع موارده المشروعة المعلومة، ولم يقدّم تفسيرًا مقبولًا لمصدرها، قامت المؤشرات على كسب غير مشروع.
- دور الإقرار المالي: يُبنى الاستنتاج على مقارنة الإقرارات المقدمة في فترات متعاقبة، فيظهر الفارق غير المبرر بينها.
- عبء التفسير: يُطلب من المعني بيان مصدر الزيادة، وهو ما يثير نقاشًا فقهيًا حول العلاقة بأصل البراءة، ولذلك تُحاط الإجراءات بضمانات تكفل حق الدفاع.
- المصادر المشروعة: كالميراث والهبة الموثقة وأرباح استثمار مشروع وبيع أصول، ويُشترط أن تكون موثقة بمستندات لا مجرد ادعاء.
- الأثر: قد يترتب على ثبوت الكسب غير المشروع رد المبالغ إلى الخزانة العامة إضافة إلى العقوبة المقررة.
نظام الكشف عن الذمة المالية
هو الأداة الوقائية الأهم في المنظومة، ويقوم على الشفافية المسبقة لا على الملاحقة اللاحقة وحدها:
- الفئات الخاضعة: يشمل النظام شاغلي المناصب القيادية والوظائف المحددة في القانون ولوائحه، وقد يمتد إلى الزوج والأولاد القصر.
- مضمون الإقرار: بيان الأموال العقارية والمنقولة والحسابات والأسهم والحصص والالتزامات، داخل البلاد وخارجها.
- مواعيد التقديم: يُقدَّم عند تولي الوظيفة، ثم بصفة دورية، وعند انتهاء الخدمة، وفق المواعيد التي تحددها الأحكام المنظمة.
- السرية: تُحفظ الإقرارات في سرية تامة ولا يُطّلع عليها إلا في الأحوال وبالإجراءات المقررة، حمايةً لخصوصية الخاضعين.
- جزاء الامتناع أو الإخفاء: يُعدّ الامتناع عن تقديم الإقرار أو تضمينه بيانات غير صحيحة مخالفة مستقلة يعاقب عليها، بصرف النظر عن ثبوت الكسب غير المشروع من عدمه.
الهيئة العامة لمكافحة الفساد وصلاحياتها
أُنشئت الهيئة بموجب القانون رقم 2 لسنة 2016 لتكون الجهة المتخصصة في هذا المجال، وتتوزع مهامها بين الوقاية والملاحقة:
- تلقي الإقرارات وفحصها: وإدارة قاعدة بياناتها والتحقق من صحتها.
- تلقي البلاغات: عن وقائع الفساد وفحصها وإحالة ما يثبت منها إلى النيابة العامة المختصة.
- حماية المبلّغين والشهود: بتوفير ضمانات تحميهم من الانتقام الوظيفي أو الإضرار بهم، وهو شرط عملي لفاعلية أي نظام لمكافحة الفساد.
- الوقاية والتوعية: بوضع سياسات النزاهة ورفع الوعي بمخاطر الفساد وتضارب المصالح.
- التعاون الدولي: في إطار الالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد.
ضمانات المشتبه به
خطورة هذه الاتهامات على السمعة والمسار المهني تستوجب تأكيد الضمانات:
- قرينة البراءة: تظل قائمة، ولا يجوز أن يتحول الفحص المالي إلى إدانة مسبقة قبل صدور حكم قضائي.
- حق الدفاع: تمكين المعني من الاطلاع على ما يُنسب إليه وتقديم مستنداته وتفسيراته قبل اتخاذ أي إجراء ماس بمركزه.
- سرية الفحص: عدم تسريب المعلومات أثناء الفحص، لما لذلك من أثر بالغ على السمعة يصعب إصلاحه ولو انتهى الفحص إلى الحفظ.
- التناسب في الإجراءات: ألا تتجاوز إجراءات التحفظ على الأموال ما تقتضيه الضرورة، وأن تكون قابلة للطعن.
- الطعن القضائي: خضوع القرارات الماسة بالمراكز القانونية لرقابة القضاء، بما يكفل التوازن بين مكافحة الفساد وحماية الحقوق.
نصائح عملية للخاضعين للنظام
- قدّموا إقراراتكم في مواعيدها بدقة، فالتأخير أو النقص مخالفة قائمة بذاتها ولو كانت أموالكم مشروعة تمامًا.
- وثّقوا مصادر كل زيادة في ثروتكم أولًا بأول: عقود البيع، مستندات الميراث، إقرارات الهبة، كشوف الأرباح.
- لا تسجّلوا أموالكم بأسماء الغير ظنًا أن ذلك يبسّط الأمور، فهو من أكثر ما يثير الشبهة ويعقّد الموقف.
- افصلوا بوضوح بين أموالكم الشخصية وأموال أي جهة تديرونها.
- راجعوا حالات تضارب المصالح المحتملة وأفصحوا عنها كتابةً قبل أن تُثار.
- عند تلقي أي استفسار مالي رسمي، استعينوا بمحامٍ قبل تقديم أي إفادة، فالإجابات المرتجلة قد تُفهم على غير مقصودها.
إن الشفافية المالية المنظّمة تحمي الموظف النزيه بقدر ما تكشف المخالف، فالإقرار الدقيق الموثّق هو خط الدفاع الأول عند أي فحص. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة المشورة في إعداد إقرارات الذمة المالية وتوثيق مصادر الثروة، ويتولى الدفاع في قضايا استغلال النفوذ والكسب غير المشروع أمام النيابة والمحاكم بكل سرية.