يقف الموظف العام في الكويت على الخط الأول بين الدولة والناس: موظف الاستقبال في الجهة الحكومية، ورجل الأمن عند البوابة، والمعلّم في الصف، والطبيب والممرض في المستشفى الحكومي، والمفتّش الذي يزور المحل، وموظف المرور الذي يحرّر المخالفة. وفي هذه المواجهات اليومية تقع كلمة نابية أو دفعة بالكتف أو مقطع مصوَّر يُنشر في ساعة غضب، فينتقل الأمر من خلاف عابر على معاملة أو مخالفة إلى بلاغ جزائي يحمل وصفاً أشد مما يتوقعه صاحبه.
السؤال الذي يتكرر في مكتبنا من الطرفين: المراجع الذي يجد نفسه متهماً بإهانة موظف أو مقاومته بعد جدال في مكتب حكومي، والموظف الذي تعرّض للشتم أو الاعتداء ولا يدري هل يكتفي بتقرير داخلي أم يذهب إلى مخفر الشرطة. والجواب يبدأ من فكرة واحدة: القانون الجزائي الكويتي لا يعامل الإساءة إلى موظف يؤدي عمله كما يعامل الإساءة بين شخصين عاديين، لأن الاعتداء هنا لا يمسّ الفرد وحده بل يمسّ هيبة الوظيفة وانتظام سير المرفق العام.
لكن الحماية المشددة ليست مطلقة ولا تعني أن كل نقد لأداء موظف يصبح جريمة. فهناك حدّ فاصل بين من يشتكي من بطء الإجراءات أو سوء المعاملة بعبارات حادة ولكنها في إطار المطالبة بحق، ومن يسبّ ويهدد ويعتدي. وفي هذا المقال نرسم هذا الحدّ بصيغة عملية: من هو الموظف العام لهذا الغرض، وما صور الإساءة، وكيف يتغير الوصف إذا وقعت أثناء الوظيفة أو بسببها، وما الذي يفعله من وُجّه إليه البلاغ، وما الذي يفعله الموظف المعتدى عليه. وهو مقال عام لا يغني عن قراءة وقائع كل قضية على حدة، وسنحيل في المسائل المتفرعة إلى مقالاتنا المتخصصة بدل تكرارها.
الإجابة السريعة
الإساءة إلى موظف عام أثناء تأدية عمله أو بسببه تُعامل في القانون الكويتي معاملة أشد من الإساءة إلى فرد عادي، فهي تجمع بين حماية شخص الموظف وحماية هيبة الوظيفة والمرفق العام. وقد تتخذ الواقعة وصف الإهانة، أو التعدي بالضرب، أو التهديد، أو مقاومة الموظف بالقوة أثناء تنفيذه عمله، وقد تضاف إليها جريمة معلوماتية إذا جرى النشر عبر وسائل التواصل أو التطبيقات.
- هل يتغير الوصف لأنه موظف عام؟ نعم في الغالب: صفة المجني عليه، وكون الفعل وقع أثناء الوظيفة أو بسببها، يؤثران في تكييف الواقعة وفي تقدير العقوبة. وتفاصيل ذلك تتوقف على نص القانون وظروف كل واقعة وتقدير المحكمة.
- ما أول ما يفعله من وُجّه إليه البلاغ؟ أن يتجنب الاتصال بالموظف أو الضغط عليه، وأن يحفظ ما لديه من أدلة (تسجيلات المراقبة، الشهود، الرسائل)، وألا يدلي بأقوال في الاستدلال أو التحقيق قبل أن يفهم الوصف الموجَّه إليه، وأن يستعين بمحامٍ منذ أول جلسة.
- ما أول ما يفعله الموظف؟ أن يوثّق الواقعة فوراً (بلاغ رسمي لرئيسه المباشر، شهود، تسجيلات الكاميرات)، وأن يقدّم بلاغه عبر الجهة المختصة، وألا يرد على الإساءة بإساءة تعرّضه هو للمساءلة التأديبية أو الجزائية.
- هل النقد المشروع مباح؟ النقد الموضوعي لأداء الموظف أو الجهة، بحسن نية وبلا سباب ولا خوض في الحياة الخاصة، يبقى حقاً مكفولاً، وهو ما يميّز المراجع الغاضب المحق في شكواه عن المعتدي.
الإطار التشريعي
تتوزع أحكام هذا الموضوع على عدة نصوص لا على قانون واحد. فالأصل الجزائي موجود في قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960، وهو الذي يعرّف جرائم الاعتداء على الأشخاص والإهانة والتهديد، ويتناول الجرائم التي تقع على الموظفين العموميين ومقاومتهم بالقوة أثناء تنفيذ الأوامر والأعمال المكلفين بها. وإجراءات التحقيق والإحالة والمحاكمة تحكمها أحكام قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 1960، ومنها البلاغ والشكوى ودور النيابة العامة وطرق الطعن.
وإذا جرت الإساءة عبر الهاتف أو مواقع التواصل أو التطبيقات، دخل في الصورة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015 الذي يجرّم إساءة استخدام وسائل التقنية في السب والتشهير والتهديد والتحريض، وقد تجتمع أوصافه مع أوصاف قانون الجزاء. وعلى الجانب الوظيفي، يخضع الموظف المدني لأحكام قانون الخدمة المدنية رقم 15 لسنة 1979 وما يتصل به من لوائح تأديبية، وهي ذات صلة لأن واجبات الوظيفة تشمل حسن معاملة الجمهور، ولأن الموظف قد يُساءل تأديبياً إن بدر منه ما يستفز المراجع أو يتجاوز حدود سلطته. أما القرارات الإدارية الناشئة عن الواقعة (كالنقل أو الجزاء التأديبي) فترجع في الطعن عليها إلى قانون إنشاء الدائرة الإدارية رقم 20 لسنة 1981.
ولأن الخصومة تتفرع إلى مسار جزائي ومسار تأديبي وربما مدني (تعويض عما أصاب المجني عليه من ضرر)، فإن فهم القضية يبدأ بتحديد أي المسارات مفتوح وبأي ترتيب. وسنفصل ذلك في قسم الإجراءات. ومن المهم التذكير بأن النصوص تتعدل بين حين وآخر، وأن الصياغة النهائية لأي مادة ينبغي أن تُراجع من المصدر الرسمي عند إعداد دفاع أو شكوى.
الأحكام الموضوعية
أولاً: من هو الموظف العام لهذا الغرض؟
لا يقتصر مفهوم الموظف العام في المسائل الجزائية على من يحمل مسمى «موظف» في الهيكل الإداري. فالقاعدة التي يعتمدها الفقه والقضاء أن العبرة بالقيام بعمل من أعمال السلطة العامة أو بخدمة مرفق عام بتكليف من الدولة، أياً كانت تسمية الوظيفة أو طريقة التعيين. فيدخل في ذلك عادةً العاملون في الوزارات والإدارات الحكومية والهيئات العامة، ورجال الشرطة والإطفاء والحرس، والمعلمون والأطباء والتمريض في المنشآت الحكومية، ومفتشو الجهات الرقابية، ومن يكلَّف رسمياً بعمل عام ولو بصفة مؤقتة.
وهناك صنف يثير الجدل: العاملون بعقود لدى جهات خاصة تؤدي خدمة عامة بتفويض، والعاملون بعقود مؤقتة أو بنظام الأجر اليومي في جهة حكومية، والمتطوعون المكلَّفون بمهمة رسمية. وتقدير صفة هؤلاء مسألة تتوقف على نص التجريم المطبق وعلى وقائع التكليف، ولا يصح الجزم بها من عنوان الوظيفة. وللمتهم أن يدفع بأن المجني عليه لا يتمتع بهذه الصفة، وهو دفع جوهري إذا قام عليه الوصف المشدد.
وفي المقابل لا يكفي أن يكون المجني عليه موظفاً عاماً ليصبح الفعل جريمة مشددة. فالمعيار الثاني هو علاقة الواقعة بالوظيفة: هل وقعت أثناء قيامه بعمله أو بسببه؟ فالاعتداء على موظف في إجازة بسبب خلاف شخصي لا علاقة له بوظيفته يختلف عن الاعتداء عليه وهو يحرّر مخالفة أو ينفّذ قراراً. وهذه العلاقة هي ما يعتمد عليه الاتهام عادة، وهي ما يتصدى له الدفاع بالنفي عند الاقتضاء.
ثانياً: صور الإساءة المتصوَّرة
الإساءة اللفظية. أي عبارة تمسّ الشرف أو الاعتبار أو الكرامة الوظيفية: الشتم، والتحقير، والقدح في الذمة، والتلفظ بما يخدش الحياء. وتختلف خطورتها بحسب مكان الواقعة (علنية أم لا)، ووجود حضور، وسياق العبارة، وهل قيلت في وجه الموظف أم بلغته عن طريق الغير. ومن المهم أن يعرف المراجع أن الغضب لا يمحو الركن المعنوي، وإن كان قد يؤثر في تقدير المحكمة للعقوبة.
التعدي بالضرب أو الإيذاء. دفع الموظف، أو الإمساك به، أو ضربه، أو إلقاء شيء عليه، أو تحطيم معدات الجهة أثناء مشادة. وتتدرج الجسامة بحسب النتيجة (إصابة طفيفة أم ضرر جسيم)، وهنا يكتسب التقرير الطبي أهمية بالغة للطرفين: للمجني عليه لإثبات الإصابة، وللمتهم لمناقشة سببها وتوقيتها.
التهديد. التلويح بإيذاء الموظف أو أسرته أو ممتلكاته أو بإفشاء أسراره أو بالاعتداء عليه لاحقاً إن لم يفعل أو لم يمتنع عن أمر. والتهديد قد يتم شفاهة أو برسالة أو عبر مكالمة، وتتحكم في تقديره طريقة التعبير وجدية الوعيد.
المقاومة والتعطيل. منع الموظف من تنفيذ عمله بالقوة أو بالتهديد: كمنع رجل الأمن من تنفيذ ضبط، أو الاعتراض بالعنف على تحرير مخالفة أو معاينة. والفرق الدقيق هنا بين مقاومة مشروعة بالطرق القانونية (الاعتراض والتظلم والطعن) ومقاومة مادية بالقوة، فالأولى حق والثانية جريمة، ولا يعفي من الثانية أن الإجراء المعترَض عليه معيب إلا في حالات يضيق القضاء في تقديرها.
التصوير والنشر. تصوير الموظف أثناء عمله ونشر المقطع مصحوباً بالسباب أو الاتهام يختلف عن توثيق واقعة بغرض تقديم شكوى. فتصوير أداء الموظف في مكان عام قد يكون وسيلة مشروعة للإثبات، لكن النشر المقترن بالتحقير أو بما يمس الحياة الخاصة أو الأسرة، أو النشر في مباني يمنع التصوير فيها، يفتح باب المساءلة. وقد عالجنا الجانب المكاني في مقال التصوير داخل المستشفيات والمحاكم والمباني الحكومية، وجانب الحق في الصورة عموماً في مقال التصوير بدون إذن والحق في الصورة والخصوصية؛ وما يهمنا هنا أن كون المصوَّر موظفاً يؤدي عمله قد يغيّر وزن الفعل لكنه لا يلغي حقه في صورته وسمعته.
النشر عبر مواقع التواصل والمجموعات. منشور أو مقطع أو تغريدة تتناول موظفاً بعينه بالشتم أو الاتهام قد يشكّل جريمة سب أو قذف تقليدية، وقد تنضم إليها أوصاف قانون جرائم تقنية المعلومات. وإعادة النشر والتفاعل لا تُعامل دائماً كالنشر الأصلي، وأحكام ذلك في المجموعات المغلقة مبسوطة في مقالنا عن السب والإساءة في قروبات الواتساب. وللأحكام العامة في السب والقذف والإهانة يمكن مراجعة جرائم السب والقذف في القانون الكويتي.
ثالثاً: أثر الصفة الوظيفية على الوصف والعقوبة
القاعدة العامة في السياسة الجزائية أن الاعتداء على من يمثل السلطة العامة وهو يؤدي واجبه يستحق مواجهة أشد، لأن ضرره يتعدى الشخص إلى المرفق والمجتمع. ولهذا فإن المشرّع الكويتي يعالج هذه الأفعال إما بنصوص خاصة (إهانة موظف عام أو مقاومته)، وإما بجعل صفة المجني عليه وسبب الاعتداء ظرفاً مشدداً في جرائم عامة. وتختلف العقوبة باختلاف الصورة، فقد تقتصر على الحبس أو الغرامة وقد تجمعهما، ويعود للمحكمة تقدير العقوبة ضمن الحدود المقررة وفق جسامة الفعل وظروف المتهم.
ويجب التمييز بين ثلاثة تصورات. الأول: فعل يقع على الموظف بسبب وظيفته ولكن بعيداً عن مكان العمل، كأن يُعترض طريقه ويُهدَّد بسبب قرار اتخذه، وفيه يتحقق الارتباط بالوظيفة رغم اختلاف المكان. الثاني: فعل يقع أثناء الوظيفة لكن بسبب خلاف شخصي لا علاقة له بها، وهنا قد ينازع الدفاع في الظرف المشدد. الثالث: فعل يقع أثناء الوظيفة وبسببها وهو الصورة الأوضح للتشديد.
ولا نذكر هنا أرقام مواد أو مدداً أو مبالغ لأن النص قابل للتعديل ولأن المحكمة هي التي تقدّر ما يناسب الواقعة، وما يهم القارئ فهمه هو اتجاه الأثر: التشديد عند ثبوت الصفة والارتباط بالوظيفة، مع بقاء القصد الجنائي ركناً لازماً. فمن لم يكن يعلم أن من أمامه موظف عام يؤدي عمله (كمن يجهل صفة شخص في ثياب مدنية) قد يكون له في ذلك دفاع يتصل بالقصد، وتقدّره المحكمة بحسب الظروف.
رابعاً: حدود النقد المشروع للأداء الوظيفي
حرية التعبير ومخاطبة السلطات والتظلم من الأداء الحكومي حقوق مكفولة، والنقد الموضوعي لا يُعدّ جريمة. والفكرة المستقرة في هذا الباب أن النقد المباح هو ما انصبّ على عمل الموظف أو القرار أو الإجراء، وصدر بحسن نية، وقصد المصلحة العامة أو دفع ضرر عن النفس، وخلا من الألفاظ الجارحة التي لا حاجة إليها. فكلمة «تأخرتم في إنجاز معاملتي دون مبرر وأطالب بالنظر في الأمر» نقد، بينما وصف الموظف بما يمس شرفه أو أصله أو أسرته سباب لا يحميه الغضب.
ويثور سؤال: هل يجوز إثبات صحة الواقعة المنسوبة إلى الموظف العام في حالة القذف المتصل بوظيفته؟ تعالج القوانين الجزائية عادةً مسألة إثبات الحقيقة في الوقائع المتعلقة بالموظفين العموميين بشروط محددة، وتفصيل ذلك وحدوده من اختصاص المحكمة في كل حالة، ولا ينبغي للمتهم أن يعتمد عليه دون إعداد ما يثبت الواقعة وحسن النية. وقد ناقشنا ضوابط الرأي المشروع في سياق آخر قريب في مقال التقييم السلبي على خرائط جوجل وإنستغرام: متى يكون رأياً مشروعاً ومتى يصبح سباً أو تشهيراً، والمنطق نفسه ينسحب على نقد الموظف العام مع مراعاة خصوصية الصفة العامة.
والقاعدة العملية: إن كان لديك اعتراض على أداء موظف، فالأولى أن تقدمه كتابياً إلى رئيسه أو إلى جهة الشكاوى أو الجهة الرقابية المختصة، لا أن تُحوّله إلى مواجهة في المكتب أو إلى منشور على الإنترنت. وبالمقابل، يلتزم الموظف نفسه بواجبات حسن المعاملة التي يقررها نظام الخدمة، ولا يُقبل منه أن يجعل صفته غطاءً لتعسف أو تحقير المراجعين.
مبادئ محكمة التمييز
استقر قضاء محكمة التمييز على أن العبرة في تحديد صفة الموظف العام لأغراض التجريم بحقيقة ما يؤديه من عمل في خدمة مرفق عام لا بالمسمى الوظيفي، وعلى أن الظرف المشدد المتصل بالوظيفة يشترط فيه أن تكون الواقعة قد وقعت أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها، وأن يكون الجاني عالماً بصفة المجني عليه أو في ظروف يفترض معها علمه، وأن ثبوت الارتباط بين الفعل والوظيفة مسألة موضوع تقدرها محكمة الموضوع بما لديها من أدلة.
واستقر كذلك على أن للمحكمة سلطة تقدير أقوال الشهود وتقارير الإصابة وتسجيلات الكاميرات، وأنها لا تلتزم بالرد على كل دفع ظاهر البطلان، لكن عليها أن تعرض للدفوع الجوهرية التي يتغير بها وجه الرأي في الدعوى. وأن القصد الجنائي في جرائم الإهانة والسب يُستخلص من عبارات المتهم وظروف صدورها وسياقها، فلا يكفي أن يدّعي المتهم أنه كان غاضباً لينتفي القصد، ولا يكفي وصف المجني عليه الألفاظ بأنها مهينة لتثبت الإدانة دون بحث سياقها.
ويضاف إلى ذلك أن التسجيلات المصورة والمقاطع المتداولة إذا قُدّمت دليلاً فإن للمحكمة أن تطمئن إليها بعد التحقق من سلامتها وعدم العبث بها، وأن للدفاع الحق في المنازعة في مصدرها وتوقيتها واكتمال المقطع. ومن المبادئ المستقرة أيضاً أن الشك يفسَّر لمصلحة المتهم، وأن الأحكام الجزائية لا تُبنى على الظن.
تنويه منهجي: ما سبق عرضٌ لاتجاهات عامة مستقرة في قضاء محكمة التمييز بالصياغة المبدئية، ولا نسوق هنا أرقام طعون ولا نصوص أحكام بعينها. وتطبيق أي مبدأ على قضية محددة مرهون بوقائعها وبأحدث ما صدر من المحكمة وبالنصوص السارية وقت الواقعة، ولذلك يجب أن يراجعه المحامي المختص قبل بناء دفاع أو خطة شكوى عليه.
الإجراءات العملية والمستندات
إذا كنت المتهم أو من وُجّه إليه البلاغ
- اضبط الانفعال ولا تتصل بالموظف. أي مراسلة أو زيارة للمجني عليه بعد البلاغ لإقناعه بالتنازل قد تُفسَّر ضغطاً أو تهديداً وتفتح عليك بلاغاً جديداً. فإن أردت الصلح فليكن عبر محامٍ وبالطرق الرسمية.
- افهم الوصف قبل الكلام. عند استدعائك للاستدلال أو التحقيق اسأل عن الوقائع المنسوبة إليك والوصف القانوني لها قبل الإدلاء بأقوالك. ولك أن تستعين بمحامٍ يحضر معك التحقيق، وهو حق ينبغي التمسك به. والأقوال المتسرعة تتحول إلى اعتراف يصعب تراجعك عنه.
- احفظ الأدلة قبل أن تضيع. تسجيلات كاميرات المكان لا تُحفظ إلى الأبد، فاطلب عبر محاميك من النيابة أو الجهة ضمّها مبكراً. وسجّل أسماء الشهود الحاضرين، واحتفظ بمستنداتك التي تثبت سبب مراجعتك (إيصال، معاملة، إخطار) لأنها تبيّن سياق الخلاف.
- راجع صياغة ما نشرته. إن كان الاتهام متصلاً بمنشور أو مقطع، فلا تحذفه قبل توثيقه بمعرفة محاميك، ولا تتخلص من هاتفك أو حسابك، فالإتلاف يُفسَّر ضدك. والأفضل حفظ نسخة منه بتاريخها ثم الاتفاق مع محاميك على ما يجب فعله بشأنه.
- ابحث عن الدفوع. تتعدد الدفوع بحسب الواقعة: انتفاء صفة الموظف العام، أو انتفاء الارتباط بالوظيفة، أو انتفاء القصد الجنائي، أو أن العبارة نقد مباح، أو أن الاستفزاز والتعسف من الموظف كانا سبب المشادة، أو تناقض أقوال الشهود، أو بطلان إجراء القبض والتفتيش، أو عدم سلامة التسجيل المقدّم. ولا يصلح كل دفع لكل قضية، والمحامي هو من يختار.
- الصلح والتنازل. في بعض الجرائم يؤثر تنازل المجني عليه في سير الدعوى أو في تقدير العقوبة، وفي بعضها الآخر لا يوقف التنازل الدعوى لأن للنيابة العامة حقاً مستقلاً في التحقيق والإحالة. وبالنسبة للموظف العام، قد لا يملك وحده التنازل عن حق الجهة التي يمثلها، وقد يتطلب الأمر موافقتها. وكل ذلك يحدده وصف الجريمة والمرحلة الإجرائية، ولا نعد بنتيجة قبل قراءة الأوراق.
إذا كنت الموظف المعتدى عليه
- أبلغ رئيسك المباشر فوراً وسجّل الواقعة في المحضر الداخلي للجهة، ففي كثير من الجهات تتبنى الإدارة الشكوى أو تدعمها وتوفر الشهود. ولا تتجاهل الواقعة بحجة أنها «جزء من العمل».
- وثّق الإصابة والأدلة. إن كان هناك إيذاء فاذهب إلى الجهة الطبية المختصة لإثبات الإصابة، وسجّل أسماء الحاضرين، واطلب حفظ تسجيلات الكاميرات.
- قدّم البلاغ عبر الجهة المختصة. يكون البلاغ عادة إلى مخفر الشرطة المختص أو النيابة، ثم تتولى النيابة التحقيق وتقرر الإحالة إلى المحكمة أو الحفظ. وتذكر في البلاغ بدقة أنك كنت تؤدي عملك وقت الواقعة وما الذي كنت تنفذه.
- لا ترد بالمثل. الرد بالإساءة أو القوة قد يحوّلك من مجني عليه إلى متهم، وقد يقلب الموقف الإجرائي ويعرضك لتحقيق تأديبي، فاحتفظ بهدوئك ودع الإجراءات القانونية تعمل.
- اعرف حدود صلاحيتك. التصرف المتجاوز لحدود الصلاحية من الموظف نفسه قد يضعف موقفه ويدعم دفاع الخصم بأن الاستفزاز كان من الموظف. ومن حق الموظف الذي يتعرض لإجراء تأديبي على خلفية الواقعة أن يتظلم ويطعن، كما بيّنّا في مقال نقل الموظف العام أو ندبه تعسفياً.
المسارات المتوازية
قد تُفتح أمام الواقعة الواحدة ثلاثة مسارات: الجزائي أمام النيابة والمحكمة، والتأديبي داخل الجهة (للموظف أو للمراجع إن كان موظفاً أيضاً)، والمدني للمطالبة بتعويض عن الضرر المادي والأدبي. ولا يمنع أحدها الآخر بالضرورة، لكن نتيجة الحكم الجزائي قد تؤثر في المسارين الآخرين، ولذلك ينبغي التفكير في الاستراتيجية الكلية قبل أي خطوة منفردة. وللتنظيم المالي والرقابي للجهات الحكومية وما قد يتصل بالواقعة من مخالفات مالية يمكن الرجوع إلى ديوان المحاسبة والرقابة على المال العام، وللنظام الوظيفي العام يمكن الاطلاع على قانون الخدمة المدنية: التعيين والحقوق والنظام التأديبي. وإذا كان الاعتداء بين الزملاء داخل بيئة العمل لا بين موظف ومراجع، فتجد معالجته في مقال التحرش في مكان العمل ومسؤولية صاحب العمل عن حماية الضحية، وإذا كان المعتدى عليه طفلاً في المدرسة فتنظر مسألة التنمر في مقال التنمر في الكويت.
المستندات التي ينبغي تجهيزها
- الهوية المدنية والعنوان المحدّث وبيانات التواصل مع المحامي.
- أوراق المعاملة أو المخالفة أو الإجراء الذي كان سبب المراجعة.
- التقرير الطبي وصور الإصابات إن وُجدت (للطرفين).
- تسجيلات المراقبة والمقاطع المصورة والرسائل مع تاريخها ومصدرها.
- أسماء الشهود وبياناتهم والإفادات التي يمكن أخذها منهم.
- صور المنشورات وروابطها وتاريخ نشرها وعدد المشاهدات والتعليقات إن كانت الإساءة إلكترونية.
- أي تظلم أو شكوى سابقة قدمت للجهة قبل الواقعة تظهر سياق الخلاف.
حالات افتراضية
الحالة الأولى: مراجع غاضب في مكتب حكومي
حضر مراجع إلى جهة حكومية لإنجاز معاملة تأخرت أسابيع، فاحتدم النقاش مع الموظف المختص، ورفع صوته وقال له عبارات جارحة أمام المراجعين، ثم ضرب المكتب بيده وانصرف. قدّم الموظف بلاغاً. هنا يتجه الاتهام إلى الإهانة أثناء الوظيفة، ويعتمد الدفاع على بحث العبارات الفعلية (هل هي سباب أم احتجاج حاد؟)، وشهادة الحاضرين، وتسجيلات المكتب، وتوثيق التأخر الذي أثار الغضب. وغالباً ما يكون الصلح الودي والاعتذار الرسمي بعد التشاور مع المحامي ذا أثر في سير الأمور، لكن لا يمكن الجزم بنتيجته.
الحالة الثانية: مقطع مصوَّر لرجل أمن ينتشر على التواصل
صوّر شخص رجل أمن أثناء مشادة عند بوابة، ونشر المقطع مصحوباً بعبارات تتهمه بالفساد وتسخر من أسرته. يحتمل هذا الفعل أوصاف السب والقذف، ويحتمل جريمة معلوماتية بسبب النشر الإلكتروني. أما لو اكتفى بنشر مقطع مجرد من التعليقات الجارحة مع شكوى مرسلة للجهة، فالأمر أقرب إلى توثيق وإثبات، وإن بقيت مسألة مكان التصوير وشروطه محل نظر. والدفاع هنا يميز بين النقد المباح والتجريح الشخصي، ويُعنى بإثبات سياق المقطع كاملاً.
الحالة الثالثة: موظف يتعرض لدفع وتهديد أثناء ضبط مخالفة
أثناء تحرير موظف مخالفة، دفعه صاحب المركبة وهدّده بأنه «سيعرف أين يجده». هنا اجتمعت صورتان: التعدي والتهديد، وكلتاهما وقعت أثناء الوظيفة وبسببها. ينبغي للموظف توثيق الواقعة فوراً وإبلاغ جهته، وتقديم بلاغ رسمي. وفي المقابل قد يدفع المتهم بأن الإجراء كان متعسفاً وأن الدفع كان رد فعل غير مقصود، لكن مثل هذا الدفع ينجح بحسب الأدلة، ولا يعفي من الاعتراض بالطرق القانونية بعد ذلك.
الحالة الرابعة: معلّمة تتعرض لهجوم في مجموعة أولياء الأمور
نشر ولي أمر في مجموعة واتساب لأولياء الأمور رسالة يتهم فيها معلمة باتهامات شخصية جارحة بعد خلاف على درجات ابنه. ترى المعلمة أن المنشور أساء إلى سمعتها. هنا تتداخل مسألتان: حق ولي الأمر في الشكوى من التقييم عبر القنوات الرسمية، وحدود الشكوى العلنية في مجموعة تضم عشرات الأشخاص. فإن كانت الرسالة نقداً موضوعياً لطريقة التقييم فهي أقرب إلى المباح، وإن حملت اتهامات شخصية دون دليل فهي أقرب إلى القذف. وللمعلمة أن تلجأ إلى الإدارة المدرسية ثم إلى البلاغ إن لزم، مع حفظ لقطات الشاشة وتحديد من شاهد الرسالة. وأحكام المجموعات مفصلة في المقال المرتبط أعلاه.
مقارنة سريعة بين الحالات
- نقد الأداء بعبارات موضوعية: في الأصل مباح إذا كان بحسن نية وبعيداً عن السباب، والأفضل أن يكون عبر الشكوى الرسمية.
- السب أو التحقير أثناء الوظيفة: تُشدَّد النظرة إليه لأنه يمس هيبة الوظيفة، ويتوقف الوصف على العبارة والعلنية والقصد.
- الاعتداء بالدفع أو الضرب: أشد خطورة، ويرتبط بجسامة النتيجة وبالتقرير الطبي، وقد يستتبع مسؤولية مدنية بالتعويض.
- التهديد: يقدّره القضاء بحسب جدية الوعيد وطريقة التعبير، وتحكمه نصوص عامة وقد يتشدد إن وجّه إلى موظف بسبب عمله.
- مقاومة الموظف بالقوة: تختلف عن الاعتراض القانوني، وهي من الجرائم التي تنظر إليها السياسة الجزائية بحزم.
- التصوير دون نشر: يتوقف على المكان والغرض، فقد يكون توثيقاً مشروعاً أو مخالفة لتعليمات المكان.
- التصوير مع النشر والتجريح: يتجه إلى السب والقذف وربما الجريمة المعلوماتية، ويضاف إليه الحق في الصورة والسمعة.
- الصلح والتنازل: يفيد في بعض الأوصاف دون بعض، ولا يوقف تحقيق النيابة في كل الأحوال، وقد يتطلب موافقة جهة الموظف.
أسئلة شائعة
هل كل من يعمل في جهة حكومية يُعدّ موظفاً عاماً لأغراض التجريم؟
لا يكفي الانتماء الإداري وحده، فالمعيار هو أداء عمل عام بتكليف من الدولة أو في خدمة مرفق عام. ويدخل في ذلك الأغلب من العاملين في الجهات الحكومية، أما العاملون بعقود لدى جهات خاصة أو المكلَّفون بصفة مؤقتة فيحتاجون إلى نظر خاص في نص التجريم ووقائع التكليف.
هل تختلف عقوبة الإساءة إلى موظف عام عن الإساءة إلى شخص عادي؟
نعم من حيث المبدأ، فصفة المجني عليه وارتباط الفعل بوظيفته يؤثران في التكييف وفي تقدير العقوبة، وقد يجعلان الواقعة جريمة مستقلة أو ظرفاً مشدداً. والتفاصيل تعتمد على النص المنطبق وتقدير المحكمة، ولا نذكر هنا مدداً أو مبالغ.
إذا كانت الإساءة خارج وقت الدوام، هل ينطبق التشديد؟
العبرة بالارتباط بالوظيفة لا بالوقت وحده. فإذا وقع الفعل بسبب عمل الموظف أو قراراته فقد يتحقق الارتباط ولو خارج الدوام، وإذا كان خلافاً شخصياً محضاً فقد يُنازع في الظرف المشدد.
قلت كلمة نابية في لحظة غضب ثم اعتذرت، فهل يسقط البلاغ؟
الاعتذار لا يسقط البلاغ تلقائياً، لكنه قد يساعد في إنهاء الخلاف ودياً وقد تلتفت إليه المحكمة عند تقدير العقوبة. وبقاء الدعوى أو انتهاؤها يتوقف على وصف الجريمة وموقف الموظف وجهته وتقدير النيابة.
هل يجوز لي تصوير الموظف أثناء تعامله معي لإثبات سوء معاملته؟
الأصل أن توثيق ما يخصك قد يكون مشروعاً، لكن المسألة تتوقف على مكان التصوير وتعليماته وعلى طريقة استخدام المقطع. فتقديمه كدليل في شكوى رسمية يختلف عن نشره للتشهير. راجع مقالنا عن التصوير داخل المباني الحكومية قبل أي تصرف.
هل يعدّ نشر شكواي من موظف على وسائل التواصل جريمة؟
ليس بذاته. المحك هو مضمون المنشور: نقد موضوعي لإجراء أو تأخير بحسن نية يختلف عن اتهام شخصي أو سباب. وإذا ذكرت اسم الموظف أو صورته مع اتهامات غير مثبتة ازداد خطر المساءلة. والأسلم تقديم الشكوى للجهة الرقابية أو الإدارة.
ماذا لو كان الموظف هو من استفزني أو تعسف في معاملتي؟
استفزاز الموظف أو تعسفه ظرف يمكن للدفاع التمسك به لبيان سياق الواقعة وتخفيف تقدير العقوبة، وقد ينفي القصد في بعض الأحوال، لكنه لا يبيح السباب أو الاعتداء. والأفضل توثيق التعسف وتقديم شكوى رسمية عنه إلى جهته.
هل يمكن للموظف أن يتنازل عن البلاغ وينتهي كل شيء؟
ليس بالضرورة. قد يؤثر التنازل في بعض الجرائم، لكن للنيابة حقاً في التحقيق في الجرائم التي تمس المصلحة العامة، وقد تكون للجهة التي يعمل بها الموظف صفة في الدعوى. لذلك لا يُبنى القرار على تنازل شفهي قبل مراجعة الوصف القانوني.
ما دور الجهة الحكومية التي يعمل بها الموظف المعتدى عليه؟
للجهة غالباً تعليمات لتوثيق الاعتداء على موظفيها ودعمهم، وقد تتولى الإبلاغ أو تساند الموظف، كما قد تفتح تحقيقاً تأديبياً إن رأت أن الموظف أخلّ بواجباته. وهذا لا يمنع المسار الجزائي ولا يغني عنه.
هل أحتاج محامياً إذا كان البلاغ يبدو بسيطاً؟
يُنصح بذلك، لأن الأقوال الأولى في الاستدلال تؤثر في كل ما يليها، ولأن الوصف القانوني قد يكون أشد مما يظن المتهم. وللموظف كذلك فائدة في صياغة البلاغ وتجهيز الأدلة ومتابعة المسار التأديبي والمدني.
هل تصلح مقاضاة الموظف إذا أساء إلي أثناء عمله؟
نعم، فالموظف نفسه قد يُساءل جزائياً وتأديبياً إذا أساء إلى المراجعين أو تجاوز حدود وظيفته، وقد تكون هناك مسؤولية على الجهة وفق قواعد المسؤولية الإدارية. لكن إثبات الواقعة والتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي مسألة فنية تحتاج دراسة الأوراق.
هل ينطبق الأمر على الإساءة في المراسلات الرسمية والبريد الإلكتروني؟
نعم، فالعبارات الواردة في خطاب أو بريد موجه إلى موظف أو جهة قد تشكل إساءة إن خرجت عن حدود الشكوى والنقد، كما أن العبارات الحادة داخل شكوى رسمية مقدمة بحسن نية قد تحظى بحماية أوسع من الإساءة العلنية، وتقدير ذلك للمحكمة.
الخاتمة
الخلاصة أن القانون الكويتي يوازن بين حماية الموظف العام وهو يؤدي واجبه وحماية حق الناس في الاعتراض والنقد والشكوى. فالتشديد ليس موجّهاً إلى من يطالب بحقه بأدب وبالطرق الرسمية، بل إلى من يحوّل الخلاف إلى سباب أو تهديد أو اعتداء أو تشهير.
وللمراجع نصيحة بسيطة: ادفع بحقك مكتوباً وموثقاً، ولا تواجه الموظف بغضب أو بكاميرا مصحوبة بالتجريح. وللموظف نصيحة مقابلة: وثّق، وأبلغ، ولا تردّ بالمثل، واحرص على أن يكون تعاملك مع الجمهور بمعيار المهنية الذي تتوقعه الجهة والقانون منك.
وإذا وجدت نفسك طرفاً في بلاغ من هذا النوع، فالتحرك المبكر المنظم هو ما يصنع الفرق: فهم الوصف، وحفظ الأدلة، وعدم التسرع في الأقوال، والبحث في الصلح حيث يمكن. ويسعد فريقنا في يمناك لأعمال المحاماة بدراسة أوراقك ومساعدتك على اتخاذ الخطوة المناسبة.
تنبيه قانوني
هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية ولا بديلاً عن مراجعة محامٍ مختص بعد الاطلاع على أوراق قضيتك. فالنصوص التشريعية قابلة للتعديل، والنتائج تتوقف على وقائع كل دعوى وعلى تقدير المحكمة المختصة.
للتواصل مع المكتب يمكنك زيارة صفحة تواصل معنا، أو حجز موعد في المكتب عبر صفحة حجز موعد.