الاتفاقيات الدولية والمعاهدات وأثرها في النظام القانوني الكويتي (2026)
25 يوليو 2026

دليل قانوني شامل لمكانة المعاهدات الدولية في التدرج التشريعي الكويتي: إجراءات الإبرام والتصديق والنشر، واتفاقية نيويورك للتحكيم، وتنفيذ الأحكام الأجنبية، والازدواج الضريبي، والتنازع مع القانون الداخلي.

المقدمة

لم تعد الاتفاقيات الدولية والمعاهدات شأناً يخص وزارات الخارجية والدبلوماسيين وحدهم، بل أصبحت جزءاً عضوياً من المنظومة القانونية الداخلية التي يحتكم إليها التاجر والمستثمر والعامل والقاضي والمحامي على حد سواء. فحين يطلب مستثمر أجنبي تنفيذ حكم تحكيم صادر في الخارج أمام المحاكم الكويتية، أو حين تحتج شركة بأنها لا تخضع للضريبة مرتين على الدخل ذاته، أو حين يُطلب تسليم متهم أو تنفيذ حكم صادر في دولة خليجية، فإن السند القانوني في كل ذلك ليس قانوناً داخلياً فحسب، بل معاهدة دولية صارت بالنشر جزءاً من القانون الكويتي.

وتزداد أهمية هذا الموضوع في دولة الكويت بحكم انفتاحها الاقتصادي وموقعها في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وعضويتها في عدد كبير من المنظمات والاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف، فضلاً عن شبكة واسعة من الاتفاقيات الثنائية في مجالات التجارة والاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي والتعاون القضائي. غير أن هذا الانفتاح يطرح سؤالاً قانونياً دقيقاً: ما مرتبة المعاهدة في التدرج التشريعي الكويتي؟ وماذا لو تعارضت مع قانون داخلي؟

تهدف هذه المقالة إلى تقديم معالجة قانونية شاملة ومنضبطة لـمكانة الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني الكويتي وأثرها العملي، فتتناول التدرج التشريعي وموقع المعاهدة فيه، وإجراءات الإبرام والتصديق والنشر، وأنواع الاتفاقيات الأكثر أثراً في التطبيق العملي، وقواعد حل التنازع بين المعاهدة والقانون الداخلي، والإجراءات التي يسلكها ذوو الشأن للاحتجاج بأحكام المعاهدة أمام القضاء الكويتي.

الإجابة السريعة

  • المرجع الدستوري: دستور دولة الكويت الصادر سنة 1962، وبخاصة المادة السبعون التي نظّمت إبرام المعاهدات والتصديق عليها وبيّنت حالات وجوب صدورها بقانون.
  • مرتبة المعاهدة: تكون للمعاهدة قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية، فهي أدنى من الدستور وفي مرتبة التشريع العادي.
  • شرط النفاذ الداخلي: اجتماع ثلاثة عناصر: الإبرام بمرسوم، والتصديق، والنشر في الجريدة الرسمية «الكويت اليوم». فلا يُحتجّ بمعاهدة لم تُنشر.
  • المعاهدات التي تستلزم قانوناً: معاهدات الصلح والتحالف، والمتعلقة بأراضي الدولة أو ثرواتها الطبيعية أو حقوق السيادة، والمتعلقة بحقوق المواطنين العامة أو الخاصة، ومعاهدات التجارة والملاحة والإقامة، وتلك التي تُحمّل الخزانة نفقات غير واردة في الميزانية أو تتضمن تعديلاً لقوانين الكويت.
  • قاعدة حل التنازع: تُطبَّق قواعد التنازع بين النصوص متساوية المرتبة، ومنها أن الخاص يقيّد العام وأن اللاحق ينسخ السابق، مع ميل راجح في الفقه والعمل إلى تغليب المعاهدة بوصفها نصاً خاصاً مقصوداً بذاته.
  • الرقابة الدستورية: بما أن للمعاهدة قوة القانون، فإنها تخضع لرقابة المحكمة الدستورية المنشأة بالقانون رقم 14 لسنة 1973 على النحو المقرر للقوانين.
  • أبرز الاتفاقيات عملياً: اتفاقية نيويورك لسنة 1958 بشأن الاعتراف بأحكام المحكمين الأجنبية وتنفيذها، واتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، واتفاقية تنفيذ الأحكام والإنابات والإعلانات القضائية بين دول مجلس التعاون، واتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، واتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار.
  • الاحتجاج أمام القضاء: يجوز التمسك بنص المعاهدة أمام المحاكم الكويتية بوصفه قاعدة قانونية نافذة، مع تقديم ما يفيد نشرها وسريانها في مواجهة الدولة المعنية.

أولاً: مكانة المعاهدة الدولية في التدرج التشريعي الكويتي

1. هرم التشريع في دولة الكويت

يقوم النظام القانوني الكويتي على تدرج هرمي واضح للقواعد القانونية، تعلوه الوثيقة الدستورية باعتبارها القانون الأسمى الذي لا يجوز لتشريع أدنى مخالفته، ثم تأتي القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، ثم المراسيم واللوائح والقرارات الوزارية التي تصدر تنفيذاً للقوانين وفي حدودها. وأي قاعدة أدنى تخالف قاعدة أعلى تكون معيبة ومعرّضة للإلغاء أو الامتناع عن تطبيقها.

وتحتل المعاهدة الدولية في هذا الهرم موقعاً محدداً: فهي — متى استوفت شروط نفاذها الداخلي — في مرتبة القانون العادي، أي أدنى من الدستور وأعلى من المراسيم واللوائح. ويترتب على هذا التكييف نتيجتان جوهريتان: الأولى أن المعاهدة لا تسمو على الدستور، فلا يجوز أن تُبرم معاهدة تخالف أحكامه؛ والثانية أن المعاهدة تخضع لما تخضع له القوانين من رقابة دستورية ومن قواعد التفسير والنسخ.

2. النص الدستوري الحاكم

عالجت المادة السبعون من الدستور الكويتي مسألة المعاهدات معالجة متكاملة، فقرّرت أن الأمير يبرم المعاهدات بمرسوم ويبلغها مجلس الأمة فوراً مشفوعة بما يناسب من البيان، وأن المعاهدة تكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية. ثم استثنت طائفة من المعاهدات ذات الأهمية الخاصة فأوجبت لنفاذها أن تصدر بقانون لا بمجرد مرسوم.

وهذا التنظيم يكشف عن حكمة تشريعية مزدوجة: فمن جهة، مُنحت السلطة التنفيذية مرونة كافية لإدارة العلاقات الخارجية دون تعطيل؛ ومن جهة أخرى، حُفظ لمجلس الأمة دوره الرقابي والتشريعي في المسائل التي تمس السيادة أو حقوق المواطنين أو المالية العامة أو التشريع الداخلي.

3. المعاهدات التي يجب صدورها بقانون

حدّد الدستور طوائف المعاهدات التي لا تنفذ إلا بقانون، وهي في مجملها:

  • معاهدات الصلح والتحالف: لاتصالها المباشر بالسيادة وبقرار الحرب والسلم.
  • المعاهدات المتعلقة بأراضي الدولة أو ثرواتها الطبيعية أو حقوق السيادة: وهي أخطر الطوائف لتعلقها بكيان الدولة الإقليمي والاقتصادي.
  • المعاهدات المتعلقة بحقوق المواطنين العامة أو الخاصة: ومنها اتفاقيات حقوق الإنسان والاتفاقيات التي ترتب التزامات مباشرة على الأفراد أو تمنحهم حقوقاً.
  • معاهدات التجارة والملاحة والإقامة: لأثرها المباشر على النشاط الاقتصادي وعلى مراكز الأجانب في الدولة.
  • المعاهدات التي تُحمّل خزانة الدولة نفقات غير واردة في الميزانية: إعمالاً لمبدأ سيادة البرلمان على المال العام.
  • المعاهدات التي تتضمن تعديلاً لقوانين الكويت: لأن تعديل القانون لا يكون إلا بأداة مماثلة في المرتبة، وهي القانون.

وترتيب الأثر على مخالفة هذا الوجوب أن المعاهدة التي تدخل في إحدى هذه الطوائف ولم تصدر بقانون لا تنفذ في النظام القانوني الداخلي ولو صدّقت عليها الدولة على المستوى الدولي، وهو ما يفتح باب المسؤولية الدولية للدولة دون أن يمنحها أثراً داخلياً — وهي إشكالية كلاسيكية في العلاقة بين النظامين.

ثانياً: إجراءات الإبرام والتصديق والنشر

1. مرحلة التفاوض والتوقيع

تبدأ حياة المعاهدة بمرحلة التفاوض التي تتولاها الجهات التنفيذية المختصة، وعلى رأسها وزارة الخارجية بالتنسيق مع الجهات القطاعية المعنية. وتنتهي هذه المرحلة بـالتوقيع على النص، وهو إجراء لا يُرتّب بذاته التزاماً نهائياً كأصل عام، وإنما يفيد الموافقة على صياغة النص وتوثيقه، ويلتزم الموقّع بعدم إتيان ما يُفرغ المعاهدة من موضوعها وغرضها قبل التصديق.

ومن المسائل المهمة في هذه المرحلة إبداء التحفظات، وهي إعلانات من جانب واحد تستهدف استبعاد أو تعديل الأثر القانوني لبعض أحكام المعاهدة في تطبيقها على الدولة المتحفظة. وقد أبدت دولة الكويت تحفظات على بعض الاتفاقيات الدولية، لا سيما ما يتصل منها بأحكام الشريعة الإسلامية أو بقواعد الاختصاص القضائي، وهي تحفظات تُنتج أثرها متى كانت متوافقة مع موضوع المعاهدة وغرضها ولم تُقابل باعتراض مانع من الأطراف الأخرى.

2. مرحلة الإبرام والتصديق

يُبرم الأمير المعاهدات بمرسوم، ويُبلَّغ مجلس الأمة بها فوراً مشفوعة بما يناسب من البيان. والتصديق هو التعبير النهائي عن ارتضاء الدولة الالتزام بالمعاهدة، وهو الذي ينقلها من مرحلة النص المتفق عليه إلى مرحلة الالتزام الملزم. أما في الطوائف التي أوجب الدستور صدورها بقانون، فإن المسار يمر عبر مجلس الأمة إقراراً وتشريعاً، ثم يصدر القانون ويُنشر.

3. مرحلة النشر — شرط الاحتجاج

لا يكتمل النفاذ الداخلي للمعاهدة إلا بـنشرها في الجريدة الرسمية. والنشر ليس إجراءً شكلياً بل هو شرط جوهري لسريان القاعدة في مواجهة الكافة، إعمالاً لمبدأ العلم المفترض بالقانون. ويترتب على ذلك نتيجة عملية بالغة الأهمية للمحامين والمتقاضين: أن الاحتجاج بنص معاهدة أمام المحكمة يستلزم إثبات نشرها، وأن المعاهدة غير المنشورة — ولو كانت الدولة ملتزمة بها دولياً — لا تصلح سنداً مباشراً لطلب أمام القضاء الوطني.

4. الانضمام والانسحاب وإنهاء المعاهدة

قد تدخل الدولة طرفاً في معاهدة متعددة الأطراف عن طريق الانضمام بعد إبرامها، ويتبع في ذلك الإجراءات ذاتها المقررة للإبرام والتصديق والنشر. وفي المقابل، فإن انسحاب الدولة من معاهدة أو إنهاءها يخضع أولاً لأحكام المعاهدة ذاتها ولقواعد القانون الدولي، ثم يستلزم داخلياً اتخاذ إجراء موازٍ في المرتبة للإجراء الذي أدخلها حيز النفاذ. فما دخل بقانون لا يخرج بمرسوم، إعمالاً لقاعدة توازي الأشكال.

ثالثاً: أبرز الاتفاقيات وأثرها العملي في التطبيق الكويتي

1. اتفاقية نيويورك لسنة 1958 بشأن أحكام المحكمين الأجنبية

تُعد اتفاقية نيويورك للاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها من أكثر الاتفاقيات أثراً في الحياة التجارية، وقد انضمت إليها دولة الكويت، فأصبحت جزءاً من نظامها القانوني. وتقوم فلسفتها على تيسير تنفيذ أحكام التحكيم عبر الحدود، بأن جعلت الأصل هو الاعتراف والتنفيذ، وحصرت أسباب الرفض في حالات محددة على سبيل الحصر، منها بطلان اتفاق التحكيم، أو عدم إعلان الخصم إعلاناً صحيحاً، أو تجاوز المحكّمين حدود ولايتهم، أو مخالفة الحكم للنظام العام في دولة التنفيذ.

والأثر العملي لذلك في الكويت جوهري: فالمستفيد من حكم تحكيم أجنبي لا يحتاج إلى إعادة نظر الموضوع من جديد، وإنما يسلك طريق طلب الأمر بالتنفيذ، وتقتصر رقابة القاضي الوطني على التحقق من انتفاء أسباب الرفض المحددة دون التعرض لموضوع النزاع. ويُلاحظ أن هذه الاتفاقية تتكامل مع قانون التحكيم القضائي رقم 11 لسنة 1995 ومع أحكام التحكيم الواردة في قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 38 لسنة 1980.

2. اتفاقيات التعاون القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية

القاعدة العامة في قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 38 لسنة 1980 أن تنفيذ الأحكام الأجنبية يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، فلا يُنفَّذ الحكم الأجنبي في الكويت إلا بالشروط ذاتها التي تُنفَّذ بها الأحكام الكويتية في تلك الدولة، مع التحقق من اختصاص المحكمة مصدرة الحكم، وصحة إعلان الخصوم، وحيازة الحكم لقوة الأمر المقضي، وعدم تعارضه مع حكم وطني أو مع النظام العام.

وتأتي الاتفاقيات لتخفّف من صرامة هذه القاعدة وتُبسّط الإجراءات، ومن أبرزها:

  • اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي: وهي إطار عربي شامل ينظّم تبادل الإعلانات القضائية والإنابات القضائية والاعتراف بالأحكام وتنفيذها وتسليم المطلوبين، وتُعد من أهم أدوات التعاون القضائي العربي.
  • اتفاقية تنفيذ الأحكام والإنابات والإعلانات القضائية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية: وهي أكثر تيسيراً في نطاقها الخليجي، إذ تُقرّب مسافة التنفيذ بين المحاكم الخليجية وتختصر الإجراءات.
  • الاتفاقيات الثنائية للتعاون القضائي: التي تبرمها الكويت مع دول بعينها لتنظيم تبادل المساعدة القضائية وتنفيذ الأحكام وتسليم المتهمين والمحكوم عليهم.

وفي جميع الأحوال، تبقى مخالفة النظام العام في دولة الكويت سبباً قائماً لرفض التنفيذ حتى في ظل الاتفاقيات، لأن النظام العام يمثل الحد الذي لا تتنازل عنه الدولة في سيادتها القضائية.

3. الاتفاقيات الاقتصادية والخليجية

تُشكّل منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية إطاراً اتفاقياً متكاملاً يمس الحياة اليومية للأفراد والشركات، من خلال الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وما تفرّع عنها من قرارات المجلس الأعلى بشأن المساواة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في مجالات التنقل والإقامة والعمل والتملك وممارسة الأنشطة الاقتصادية والمهنية. ولهذه الترتيبات أثر مباشر في تفسير النصوص الوطنية، إذ تُقيّد إطلاق بعض القيود المقررة على الأجانب حين يتعلق الأمر بمواطني دول المجلس.

وعلى المستوى الأوسع، فإن عضوية دولة الكويت في منظمة التجارة العالمية رتّبت التزامات تتعلق بعدم التمييز وشفافية التشريعات التجارية وفتح قطاعات الخدمات وفق جداول الالتزامات، وهي التزامات انعكست على مسار الإصلاح التشريعي الكويتي في قوانين التجارة والاستثمار والمنافسة وحماية الملكية الفكرية.

4. اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي

أبرمت دولة الكويت شبكة واسعة من اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب من الضرائب مع عدد كبير من الدول. وتقوم فكرتها على توزيع حق فرض الضريبة بين دولة المصدر ودولة الإقامة، ومنع خضوع الدخل ذاته للضريبة مرتين، وتحديد سقوف لأسعار الاستقطاع على الأرباح والفوائد والإتاوات، وتقرير آليات لتبادل المعلومات وتسوية المنازعات بالاتفاق المتبادل.

والأثر العملي لهذه الاتفاقيات بالغ في تنظيم أعمال الشركات الأجنبية العاملة في الكويت وفي هيكلة الاستثمارات الكويتية في الخارج، إذ يمكن للمكلّف أن يتمسك بأحكام الاتفاقية بوصفها نصاً خاصاً أمام الإدارة الضريبية وأمام القضاء، بشرط استيفاء شروط الاستفادة منها، وعلى رأسها شهادة الإقامة الضريبية وإثبات صفة المستفيد الفعلي.

5. اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار

تُبرم الدول اتفاقيات ثنائية لتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، تتضمن عادةً ضمانات جوهرية للمستثمر: المعاملة العادلة والمنصفة، وعدم نزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، وحرية تحويل رؤوس الأموال والعوائد، وشرط الدولة الأولى بالرعاية، فضلاً عن آلية لتسوية المنازعات بين المستثمر والدولة المضيفة عن طريق التحكيم الدولي.

وتتكامل هذه الاتفاقيات مع قانون تشجيع الاستثمار المباشر رقم 116 لسنة 2013 الذي وضع الإطار الوطني للحوافز والضمانات الممنوحة للمستثمرين، بحيث يكون للمستثمر مصدران للحماية: النص الوطني والنص الاتفاقي، ويتمسك بالأفضل منهما وفق طبيعة العلاقة ومركزه القانوني.

6. الاتفاقيات ذات الطابع الحقوقي والاجتماعي

دولة الكويت طرف في عدد من الاتفاقيات متعددة الأطراف ذات الطابع الحقوقي والاجتماعي، ومن بينها اتفاقيات صادرة عن منظمة العمل الدولية التي انضمت إليها الكويت مبكراً، واتفاقيات تتعلق بحقوق الطفل والمرأة ومكافحة الفساد والجريمة المنظمة. وقد اقترن انضمام الدولة إلى بعضها بتحفظات تراعي أحكام الشريعة الإسلامية والنظام الدستوري الكويتي.

والأثر العملي لهذه الطائفة يظهر في مستويين: مستوى التشريع، حيث تُصاغ القوانين الوطنية استلهاماً لالتزامات الدولة الاتفاقية؛ ومستوى التفسير، حيث يُستأنس بنصوص الاتفاقية في تفسير الغامض من النصوص الوطنية بما لا يخالف الدستور أو النظام العام.

رابعاً: التنازع بين المعاهدة والقانون الداخلي

1. تحديد المشكلة

لمّا كانت المعاهدة — بعد نشرها — في مرتبة القانون العادي، فإن احتمال التعارض بينها وبين قانون داخلي احتمال قائم عملاً. والسؤال المطروح: أي النصين يُطبَّق؟ والإجابة تستلزم التمييز بين مستويين مختلفين تمام الاختلاف:

  • المستوى الدولي: لا يجوز للدولة أن تحتج بقانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ التزام دولي، فمخالفة المعاهدة تُرتّب مسؤوليتها الدولية أياً كان مضمون تشريعها الوطني.
  • المستوى الداخلي: يفصل القاضي الوطني بين النصين وفق قواعد التنازع المقررة في نظامه القانوني، لا وفق قواعد القانون الدولي مباشرة.

2. القواعد المطبَّقة لحل التنازع

ما دام النصان في مرتبة واحدة، فإن القاضي يُعمل قواعد التنازع الكلاسيكية:

  • قاعدة الخاص يقيّد العام: وهي الأكثر إعمالاً في هذا الباب، إذ تُعد المعاهدة في الغالب نصاً خاصاً يعالج علاقة محددة أو طائفة محددة من العلاقات، فيقيّد إطلاق النص الوطني العام دون أن ينسخه.
  • قاعدة اللاحق ينسخ السابق: وتُعمل حين يستحيل التوفيق، فإذا صدر قانون وطني لاحق للمعاهدة وتعارض معها تعارضاً كلياً لا يقبل التوفيق، ثار البحث في إرادة المشرّع؛ والراجح أن النسخ الضمني لا يُفترض، ويجب البحث عن قرينة واضحة على إرادة المشرّع مخالفة الالتزام الدولي.
  • قاعدة التفسير المتوافق: وهي المنهج الأسلم، ومؤداها أن يُفسَّر النص الوطني — قدر الإمكان — تفسيراً يتفق مع التزامات الدولة الاتفاقية، على افتراض أن المشرّع لم يقصد الإخلال بها. وهذا المنهج يجنّب الدولة المسؤولية الدولية ويحفظ اتساق نظامها القانوني.

3. حدود إعمال المعاهدة داخلياً

ثمة قيود ثلاثة ينبغي استحضارها عند التمسك بنص معاهدة أمام القضاء الكويتي:

  • قيد الدستورية: فالمعاهدة في مرتبة القانون، فلا تعلو على الدستور، وما خالف الدستور منها لا يُطبَّق، وتختص المحكمة الدستورية بالفصل في ذلك على النحو المقرر للقوانين.
  • قيد النظام العام: وهو قيد يظهر بوضوح في مجال تنفيذ الأحكام الأجنبية وأحكام التحكيم، حيث تظل مخالفة النظام العام الكويتي سبباً لرفض التنفيذ ولو توافرت سائر الشروط.
  • قيد قابلية النص للتطبيق المباشر: فليست كل نصوص المعاهدات صالحة للتطبيق المباشر؛ فمنها ما هو نص تنفيذي ذاتي واضح ومحدد يخلق حقاً للأفراد يمكن الاحتجاج به مباشرة، ومنها ما هو نص برنامجي يوجّه الدولة إلى اتخاذ تدابير تشريعية لاحقة ولا يُنشئ بذاته حقاً قابلاً للمطالبة القضائية.

خامساً: المبادئ المستقرة في قضاء محكمة التمييز

أرست محكمة التمييز الكويتية عبر أحكامها المتواترة جملة من المبادئ الحاكمة في التعامل مع الاتفاقيات الدولية وتنفيذ الأحكام والقرارات الأجنبية. ومن أبرز هذه المبادئ المستقرة:

  • مبدأ اعتبار المعاهدة المنشورة قانوناً واجب التطبيق: استقر قضاء محكمة التمييز على أن المعاهدة التي استوفت إجراءات إبرامها والتصديق عليها ونشرها تصير قانوناً من قوانين الدولة تلتزم المحاكم بتطبيقه، ويُعد الخطأ في تطبيقه أو تأويله من الأخطاء التي تجيز الطعن.
  • مبدأ أولوية النص الاتفاقي الخاص: جرى العمل القضائي على أنه متى وُجد نص في اتفاقية دولية نافذة يحكم مسألة بعينها، فإنه يُعمل بوصفه نصاً خاصاً يقيّد النص الوطني العام، ولا يُصار إلى القاعدة العامة إلا عند خلو الاتفاقية من حكم في المسألة.
  • مبدأ حصر رقابة قاضي التنفيذ: استقر القضاء على أن دور القاضي عند طلب تنفيذ حكم أجنبي أو حكم تحكيم أجنبي هو رقابة توافر شروط التنفيذ المقررة، دون أن يمتد إلى مراجعة موضوع النزاع أو إعادة تقدير أدلته، فليس التنفيذ درجة جديدة من درجات التقاضي.
  • مبدأ النظام العام حداً للتنفيذ: جرى العمل على أن مخالفة الحكم الأجنبي للنظام العام في دولة الكويت تحول دون تنفيذه، وأن تقدير هذه المخالفة من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة التمييز.
  • مبدأ التحقق من صحة الإعلان واحترام حق الدفاع: استقر القضاء على أن عدم إعلان المحكوم عليه إعلاناً صحيحاً أو حرمانه من فرصة الدفاع عن نفسه أمام الجهة الأجنبية يُعد سبباً مانعاً من التنفيذ، لتعلق ذلك بضمانات التقاضي الأساسية.
  • مبدأ خضوع تفسير المعاهدة لرقابة التمييز: جرى العمل القضائي على أن تفسير نصوص الاتفاقيات الدولية النافذة مسألة قانونية لا واقعية، فتخضع لرقابة محكمة التمييز، بخلاف استخلاص الوقائع الذي تستقل به محكمة الموضوع.
  • مبدأ عبء إثبات نفاذ المعاهدة وسريانها: جرى العمل على أن من يتمسك بأحكام اتفاقية دولية عليه أن يقدم ما يفيد نفاذها وسريانها في مواجهة الدولة المعنية وقت نشوء المركز القانوني محل النزاع.

تنويه منهجي: المبادئ المذكورة أعلاه هي مبادئ مستقرة يجري عليها العمل القضائي في دولة الكويت، ويُنصح دائماً بالرجوع إلى نص الحكم القضائي ذي الصلة بواقعة كل نزاع على حدة، إذ يختلف تطبيق المبدأ باختلاف الاتفاقية محل التطبيق وتاريخ نفاذها والتحفظات الواردة عليها ووقائع الدعوى ومستنداتها.

سادساً: الإجراءات العملية للاحتجاج بالمعاهدة أمام القضاء الكويتي

المسار الإجرائي خطوة بخطوة

  • الخطوة الأولى — تحديد الاتفاقية الواجبة التطبيق: يبدأ العمل بتحديد ما إذا كانت هناك اتفاقية ثنائية أو متعددة الأطراف تحكم العلاقة، وتحديد الدولة الأخرى الطرف فيها، وطبيعة المسألة محل النزاع.
  • الخطوة الثانية — التحقق من النفاذ الداخلي: يجب التأكد من صدور أداة الإبرام (مرسوم أو قانون بحسب طائفة المعاهدة) ومن النشر في الجريدة الرسمية، ومن تاريخ بدء السريان، لأن الاحتجاج بمعاهدة غير نافذة داخلياً لا يُنتج أثراً.
  • الخطوة الثالثة — فحص التحفظات والإعلانات: إذ قد يكون النص المُتمسَّك به مستبعداً أو معدّلاً في تطبيقه على الكويت بموجب تحفظ، أو قد يكون الطرف الآخر متحفظاً عليه.
  • الخطوة الرابعة — تكييف طبيعة النص: بيان ما إذا كان النص تنفيذياً ذاتياً يُنشئ حقاً مباشراً يُحتج به أمام القضاء، أم نصاً برنامجياً يوجّه الدولة إلى تشريع لاحق.
  • الخطوة الخامسة — تحرير الطلب أو الدفع: يُصاغ الطلب أو الدفع مستنداً إلى نص الاتفاقية بالتحديد (رقمها وتاريخ نشرها والمادة محل الاستناد)، مع بيان وجه انطباقه على وقائع الدعوى.
  • الخطوة السادسة — إجراءات طلب الأمر بالتنفيذ: في حالة تنفيذ حكم أجنبي أو حكم تحكيم، يُقدَّم الطلب إلى الجهة القضائية المختصة وفق الإجراءات المقررة، مرفقاً بالمستندات المطلوبة، وتقتصر المنازعة على شروط التنفيذ دون الموضوع.
  • الخطوة السابعة — الطعن: يخضع الحكم الصادر في طلب التنفيذ لطرق الطعن المقررة قانوناً في مواعيدها، ويُعد الخطأ في تطبيق نص الاتفاقية أو تأويله سبباً صالحاً للطعن بالتمييز.

المستندات المطلوبة عملياً

  • نسخة رسمية من الاتفاقية أو من أداة الإبرام المنشورة في الجريدة الرسمية، مع بيان تاريخ النشر.
  • ما يفيد نفاذ الاتفاقية وسريانها بين الدولتين وقت نشوء المركز القانوني محل النزاع.
  • في طلبات تنفيذ الأحكام الأجنبية: صورة رسمية من الحكم، وما يفيد أنه حائز لقوة الأمر المقضي وقابل للتنفيذ في دولته، وما يثبت صحة إعلان المحكوم عليه.
  • في طلبات تنفيذ أحكام التحكيم: أصل اتفاق التحكيم أو صورة معتمدة منه، وأصل حكم التحكيم أو صورة معتمدة منه.
  • ترجمة معتمدة إلى اللغة العربية لجميع المستندات المحررة بلغة أجنبية، مع استيفاء إجراءات التصديق المطلوبة.
  • في المسائل الضريبية: شهادة الإقامة الضريبية وما يثبت صفة المستفيد الفعلي من الدخل.

سابعاً: تحليل عملي وحالات افتراضية

الحالة الأولى: تنفيذ حكم تحكيم أجنبي في الكويت

الواقعة الافتراضية: صدر حكم تحكيم في دولة أجنبية طرف في اتفاقية نيويورك لصالح شركة أجنبية ضد شركة كويتية، فطلبت الشركة الأجنبية الأمر بتنفيذه في الكويت، ودفعت الشركة الكويتية بأن الحكم مجحف وأن المحكّمين أخطأوا في تطبيق القانون على موضوع النزاع.

التكييف القانوني: الدفع بالخطأ في تطبيق القانون على الموضوع ليس من أسباب رفض التنفيذ المقررة على سبيل الحصر في الاتفاقية، لأن قاضي التنفيذ ليس قاضي طعن على حكم التحكيم ولا يملك مراجعة الموضوع. أما ما يصلح للتمسك به فهو أسباب محددة، كبطلان اتفاق التحكيم، أو عدم صحة الإعلان بتعيين المحكّم أو بإجراءات التحكيم، أو تجاوز الحكم حدود اتفاق التحكيم، أو مخالفة تشكيل هيئة التحكيم لما اتفق عليه، أو مخالفة الحكم للنظام العام في دولة التنفيذ. والعبء في إثبات هذه الأسباب يقع على من يتمسك بها.

الحالة الثانية: تعارض قانون داخلي لاحق مع اتفاقية نافذة

الواقعة الافتراضية: صدر قانون كويتي ينظّم مسألة بعينها بأحكام تختلف عمّا ورد في اتفاقية ثنائية نافذة ومنشورة سابقة عليه، فتمسك أحد الخصوم بالقانون الجديد وتمسك الآخر بالاتفاقية.

التكييف القانوني: لمّا كان النصان في مرتبة واحدة، فإن المنهج السليم يبدأ بمحاولة التوفيق والتفسير المتوافق، على افتراض أن المشرّع لم يقصد الإخلال بالتزام دولي قائم. فإن أمكن إعمال النصين معاً بأن يُعد نص الاتفاقية خاصاً يقيّد عموم القانون الجديد، فذاك هو الحل الراجح. أما إذا استحال التوفيق وثبتت إرادة المشرّع الصريحة في مخالفة الاتفاقية، فإن القاضي الوطني يلتزم بالنص اللاحق، وتبقى الدولة مسؤولة دولياً عن الإخلال — وهو ما يوضح أن حل التنازع داخلياً لا ينفي قيام المسؤولية الدولية.

الحالة الثالثة: الاستفادة من اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي

الواقعة الافتراضية: شركة مقيمة في دولة أبرمت مع الكويت اتفاقية لتجنب الازدواج الضريبي، حقّقت دخلاً من مصدر كويتي، وطلبت تطبيق السعر المخفّض المقرر في الاتفاقية بدلاً من السعر المقرر في التشريع الوطني، فاعترضت الإدارة على ذلك.

التكييف القانوني: للشركة أن تتمسك بأحكام الاتفاقية بوصفها نصاً خاصاً نافذاً في القانون الكويتي، لكن الاستفادة ليست تلقائية؛ إذ يتعين عليها إثبات شروطها الموضوعية والشكلية، وعلى رأسها الإقامة الضريبية في الدولة المتعاقدة الأخرى بشهادة صادرة عن سلطتها المختصة، وصفتها مستفيداً فعلياً من الدخل لا مجرد وسيط، وانطباق الوصف الاتفاقي على نوع الدخل محل النزاع. وعند رفض الإدارة، يكون سبيلها التظلم ثم الطعن القضائي، مع إمكان اللجوء إلى آلية الاتفاق المتبادل المنصوص عليها في الاتفاقية.

ثامناً: جدول مقارن — المعاهدة مقابل القانون مقابل المرسوم واللائحة

  • المعاهدة الدولية: مصدرها إرادة مشتركة بين دولة الكويت ودولة أو دول أخرى أو منظمة دولية. أداة نفاذها الداخلي مرسوم بالإبرام، أو قانون في الطوائف التي حدّدها الدستور، ثم النشر في الجريدة الرسمية. مرتبتها مرتبة القانون العادي. تعديلها أو إنهاؤها يخضع لأحكامها ولقواعد القانون الدولي وبأداة موازية داخلياً. مخالفتها تُرتّب مسؤولية دولية للدولة إلى جانب أثرها الداخلي.
  • القانون: مصدره السلطة التشريعية الوطنية وحدها. أداة نفاذه الإصدار والنشر. مرتبته أدنى من الدستور وأعلى من المراسيم واللوائح. يُعدَّل ويُلغى بقانون لاحق فقط. مخالفته تُرتّب أثراً داخلياً بحتاً دون مسؤولية دولية بذاتها.
  • المرسوم واللائحة والقرار الوزاري: مصدره السلطة التنفيذية. أداة نفاذه الإصدار والنشر. مرتبته أدنى من القانون فلا يجوز أن يخالفه أو يضيف إليه. يُعدَّل ويُلغى بأداة من مرتبته أو أعلى. ومخالفته للقانون تُعرّضه للإلغاء أمام القضاء الإداري أو للامتناع عن تطبيقه.

والخلط بين هذه الأدوات هو مصدر أخطاء شائعة في الممارسة؛ فيظن البعض أن المعاهدة تعلو على القانون دائماً، أو أن قراراً وزارياً يكفي لتنفيذ التزام اتفاقي يتطلب تعديلاً تشريعياً. والصحيح أن المعاهدة المنشورة قانون، والقانون لا يُعدَّل إلا بقانون، واللائحة لا تنشئ ما لم ينشئه القانون.

الأسئلة الشائعة

1. ما مرتبة المعاهدة الدولية في القانون الكويتي؟

تكون للمعاهدة قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية، أي إنها في مرتبة التشريع العادي: أدنى من الدستور وأعلى من المراسيم واللوائح والقرارات الوزارية. ويترتب على ذلك أنها تُطبَّق أمام المحاكم كما يُطبَّق القانون، وتخضع لما يخضع له من رقابة دستورية.

2. متى تصبح المعاهدة نافذة داخلياً؟

عند اجتماع ثلاثة عناصر: الإبرام بالأداة المقررة دستورياً (مرسوم، أو قانون في الطوائف التي حدّدها الدستور)، والتصديق، والنشر في الجريدة الرسمية. وتخلّف أي من هذه العناصر يحول دون الاحتجاج بالمعاهدة أمام القضاء الوطني ولو كانت الدولة ملتزمة بها دولياً.

3. ما المعاهدات التي يجب أن تصدر بقانون لا بمرسوم؟

حدّدها الدستور، وهي معاهدات الصلح والتحالف، والمتعلقة بأراضي الدولة أو ثرواتها الطبيعية أو حقوق السيادة، والمتعلقة بحقوق المواطنين العامة أو الخاصة، ومعاهدات التجارة والملاحة والإقامة، وتلك التي تُحمّل خزانة الدولة نفقات غير واردة في الميزانية أو تتضمن تعديلاً لقوانين الكويت.

4. هل تعلو المعاهدة على الدستور؟

لا. المعاهدة في مرتبة القانون العادي، والدستور هو القانون الأسمى. ولذلك لا يجوز أن تتضمن المعاهدة ما يخالف أحكام الدستور، وما خالفه منها لا يُطبَّق، وتختص المحكمة الدستورية المنشأة بالقانون رقم 14 لسنة 1973 بالفصل في ذلك على النحو المقرر بالنسبة للقوانين.

5. ماذا لو تعارضت المعاهدة مع قانون كويتي؟

يبدأ القاضي بمحاولة التفسير المتوافق بحيث يُعمل النصان معاً، وغالباً ما يُعد نص المعاهدة نصاً خاصاً يقيّد عموم النص الوطني. فإن استحال التوفيق وثبتت إرادة المشرّع الصريحة في المخالفة، طُبّق النص اللاحق داخلياً، مع بقاء مسؤولية الدولة الدولية عن الإخلال بالتزامها.

6. هل يمكنني الاحتجاج بنص معاهدة مباشرة أمام المحكمة؟

نعم، بشرطين: أن تكون المعاهدة نافذة داخلياً ومنشورة، وأن يكون النص المُتمسَّك به تنفيذياً ذاتياً أي واضحاً ومحدداً بذاته وينشئ حقاً مباشراً. أما النصوص البرنامجية التي توجّه الدولة إلى اتخاذ تدابير تشريعية لاحقة فلا تُنشئ بذاتها حقاً قابلاً للمطالبة القضائية.

7. كيف يُنفَّذ حكم تحكيم أجنبي في الكويت؟

عن طريق تقديم طلب بالأمر بالتنفيذ إلى الجهة القضائية المختصة، استناداً إلى اتفاقية نيويورك لسنة 1958 التي انضمت إليها الكويت، مرفقاً بأصل اتفاق التحكيم وأصل حكم التحكيم أو صورتين معتمدتين منهما وترجمة معتمدة. ورقابة القاضي محصورة في التحقق من انتفاء أسباب الرفض المحددة على سبيل الحصر، ولا تمتد إلى موضوع النزاع.

8. ما أسباب رفض تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي؟

أسباب محددة حصراً، منها بطلان اتفاق التحكيم أو انعدام أهلية أطرافه، وعدم إعلان المحكوم عليه إعلاناً صحيحاً بتعيين المحكّم أو بإجراءات التحكيم أو حرمانه من فرصة الدفاع، وتجاوز الحكم حدود اتفاق التحكيم، ومخالفة تشكيل الهيئة أو الإجراءات لما اتفق عليه الأطراف، وعدم قابلية النزاع للتسوية بالتحكيم، ومخالفة الحكم للنظام العام في دولة التنفيذ.

9. هل تُنفَّذ الأحكام القضائية الأجنبية في الكويت؟

نعم، وفق شروط. والقاعدة العامة في قانون المرافعات هي المعاملة بالمثل، إلى جانب التحقق من اختصاص المحكمة مصدرة الحكم، وصحة إعلان الخصوم، وحيازة الحكم لقوة الأمر المقضي، وعدم تعارضه مع حكم وطني أو مع النظام العام. وتُيسّر الاتفاقيات — كاتفاقية الرياض العربية واتفاقية دول مجلس التعاون — هذه الإجراءات في نطاقها.

10. ما فائدة اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي عملياً؟

تمنع خضوع الدخل ذاته للضريبة في دولتين، وتوزّع حق فرض الضريبة بين دولة المصدر ودولة الإقامة، وتضع سقوفاً لأسعار الاستقطاع على الأرباح والفوائد والإتاوات، وتُقرّ آليات لتبادل المعلومات وتسوية المنازعات بالاتفاق المتبادل. والاستفادة منها مشروطة بإثبات الإقامة الضريبية وصفة المستفيد الفعلي.

11. ما التحفظ على المعاهدة وما أثره؟

التحفظ إعلان من جانب واحد تصدره الدولة عند التوقيع أو التصديق أو الانضمام، بقصد استبعاد أو تعديل الأثر القانوني لبعض أحكام المعاهدة في تطبيقها عليها. ويُنتج أثره متى كان متوافقاً مع موضوع المعاهدة وغرضها ولم يُقابل باعتراض مانع. ولذلك فإن فحص التحفظات خطوة لازمة قبل التمسك بأي نص اتفاقي.

12. ما الضمانات التي توفرها اتفاقيات حماية الاستثمار؟

تتضمن عادةً المعاملة العادلة والمنصفة، وعدم نزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، وحرية تحويل رؤوس الأموال والعوائد، وشرط الدولة الأولى بالرعاية، وآلية لتسوية المنازعات بين المستثمر والدولة المضيفة عن طريق التحكيم الدولي. وتتكامل مع قانون تشجيع الاستثمار المباشر رقم 116 لسنة 2013.

13. هل يجوز للكويت الانسحاب من معاهدة؟

يخضع ذلك أولاً لأحكام المعاهدة ذاتها ولقواعد القانون الدولي المنظمة لإنهاء المعاهدات والانسحاب منها. ثم يستلزم داخلياً اتخاذ إجراء موازٍ في المرتبة للإجراء الذي أدخلها حيز النفاذ، إعمالاً لقاعدة توازي الأشكال؛ فما دخل بقانون لا يخرج بمرسوم.

14. كيف أتحقق من أن معاهدة معينة نافذة في الكويت؟

بالرجوع إلى الجريدة الرسمية للتحقق من نشر أداة الإبرام (المرسوم أو القانون) وتاريخ النشر، ثم التحقق من تاريخ بدء السريان وفق أحكام المعاهدة ذاتها، ومن التحفظات التي أبدتها الكويت أو الطرف الآخر. ويُنصح بالاستعانة بمستشار قانوني لإجراء هذا الفحص بدقة لأنه أساس بناء الطلب أو الدفع.

15. هل تُنشئ الاتفاقيات الدولية حقوقاً للأفراد مباشرة؟

ليست كل نصوص المعاهدات كذلك. فمنها ما هو تنفيذي ذاتي ينشئ للأفراد حقوقاً يمكن الاحتجاج بها مباشرة أمام القضاء الوطني — كنصوص تنفيذ أحكام التحكيم أو أسعار الاستقطاع الضريبي — ومنها ما هو برنامجي يخاطب الدولة بالتزام باتخاذ تدابير تشريعية أو إدارية، فلا يُنشئ بذاته حقاً قابلاً للمطالبة به قضائياً.

الخاتمة

تكشف دراسة مكانة الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني الكويتي عن اختيار دستوري متوازن: فقد جعل المشرّع الدستوري للمعاهدة قوة القانون بعد استيفاء إجراءات الإبرام والتصديق والنشر، فأدمجها في المنظومة الداخلية دون أن يجعلها فوق الدستور، واحتفظ لمجلس الأمة بدور تشريعي حاسم في الطوائف التي تمس السيادة وحقوق المواطنين والمال العام والتشريع الداخلي. وهو توازن يجمع بين مرونة إدارة العلاقات الخارجية وصون المشروعية الدستورية.

ومن الناحية العملية، فإن الاتفاقيات الدولية لم تعد نصوصاً نظرية، بل صارت أدوات يومية في التقاضي والتخطيط القانوني: تنفيذ أحكام التحكيم عبر الحدود، والاعتراف بالأحكام القضائية الخليجية والعربية، وترتيب المراكز الضريبية للشركات، وحماية الاستثمارات، وتنظيم مراكز مواطني دول مجلس التعاون. ومن يهمل فحص الاتفاقية الواجبة التطبيق قد يفقد سنداً قانونياً أقوى مما يتيحه النص الوطني وحده.

وتبقى القاعدة العملية التي ينبغي ألّا تغيب: أن الاحتجاج بمعاهدة أمام القضاء الكويتي عمل فني دقيق لا يكفي فيه ذكر اسم الاتفاقية، بل يستلزم إثبات النفاذ والنشر، وفحص التحفظات، وتكييف طبيعة النص، وبيان وجه انطباقه على الوقائع. ولذلك فإن الاستعانة بمستشار قانوني متخصص في المسائل ذات العنصر الأجنبي تُمثّل استثماراً حقيقياً في حماية المراكز القانونية وتفادي الدفوع الشكلية التي كثيراً ما تُجهض الحق الموضوعي.

تنبيه قانوني

المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض التوعية القانونية فقط، ولا تُعد استشارة قانونية أو رأياً قانونياً ملزماً، إذ تختلف كل حالة بحسب ظروفها وملابساتها.

إذا كنت بحاجة إلى استشارة قانونية متخصصة أو تمثيل أمام الجهات القضائية، فنرحب بحجز موعد مع فريقنا القانوني للحصول على المشورة المناسبة لحالتك.

📞 احجز موعداً مع مكتبنا للحصول على استشارة قانونية متخصصة.
📩 تواصل معنا الآن لمناقشة حالتك القانونية بسرية تامة.

هل تحتاج استشارة قانونية؟

فريق يمناك لأعمال المحاماة جاهز لمساعدتك ومتابعة قضيتك بخبرة موثوقة.

حجز الموعد اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل يمناك لأعمال المحاماة 2026 يمناك لأعمال المحاماة