لا يصل دواء إلى المريض ولا جهاز طبي إلى المستشفى دون أن يمر بمرحلة اختبار على متطوعين من البشر. وهذه المرحلة ضرورة علمية لا غنى عنها لتقدم الطب، لكنها في الوقت ذاته أخطر ما يواجهه النظام القانوني، لأنها تعرّض إنسانًا سليمًا أو مريضًا لمخاطر غير مؤكدة من أجل منفعة قد تعود على غيره. ولذلك أحاطت النظم القانونية والأخلاقية هذا المجال بضوابط صارمة تقوم على مبدأ واحد: أن مصلحة الفرد المشارك تعلو على مصلحة العلم والمجتمع. ويشرح هذا المقال هذه الضوابط في إطار المنظومة القانونية والتنظيمية في دولة الكويت.
شروط مشروعية البحث على البشر
لا تكفي الموافقة وحدها لإباحة التجربة، بل يلزم توافر شروط مجتمعة:
- الغرض العلمي المشروع: أن تستهدف التجربة تحقيق فائدة علمية أو علاجية حقيقية، لا مجرد الفضول أو الترويج التجاري لمنتج.
- الأساس العلمي السابق: أن تسبقها دراسات مخبرية وحيوانية كافية تدعم فرضية الأمان والفاعلية، فلا يُبدأ بالإنسان.
- الموازنة بين المنفعة والمخاطر: أن تكون المنفعة المتوقعة متناسبة مع المخاطر المحتملة، وأن تُخفَّض المخاطر إلى الحد الأدنى الممكن.
- كفاءة الباحث: أن يجري البحث باحث مؤهل مرخص له، وفي منشأة مجهزة قادرة على التعامل مع المضاعفات.
- الموافقة المؤسسية: اعتماد البروتوكول من لجنة أخلاقيات البحث المختصة ومن الجهة الصحية الرقابية قبل بدء أي إجراء.
- إمكان الإيقاف: أن يتضمن البروتوكول معايير واضحة لإيقاف التجربة فورًا إذا ظهرت مخاطر غير متوقعة.
لجان أخلاقيات البحث
هي حجر الزاوية في حماية المشاركين، ودورها سابق ولاحق على التجربة:
- الاختصاص: مراجعة بروتوكول البحث من حيث سلامته العلمية والأخلاقية، والموافقة عليه أو رفضه أو طلب تعديله.
- التشكيل: تضم عادةً أعضاء من تخصصات طبية وأخلاقية وقانونية، ويُشترط وجود عضو من خارج المؤسسة لضمان الاستقلال.
- فحص نموذج الموافقة: تراجع اللجنة صياغة نموذج الموافقة المستنيرة للتأكد من وضوحه وشموله للمخاطر بلغة يفهمها المشارك.
- المتابعة اللاحقة: لا ينتهي دور اللجنة بالموافقة، بل تتابع سير البحث وتتلقى تقارير الأحداث الضائرة.
- تعارض المصالح: يجب على الباحث الإفصاح عن أي مصلحة مالية مرتبطة بنتيجة البحث، وعلى اللجنة تقييم أثرها.
الموافقة المستنيرة وشروط صحتها
هي جوهر الحماية القانونية، ولا تكون صحيحة إلا باستيفاء شروط دقيقة:
- الأهلية: أن تصدر عن شخص بالغ كامل الأهلية قادر على فهم المعلومات وتقدير عواقب قراره.
- الإحاطة الكاملة: أن يُبلَّغ المشارك بطبيعة البحث وغرضه ومدته والإجراءات المتبعة، والمخاطر المتوقعة وغير المتوقعة، والبدائل العلاجية المتاحة، ومصادر تمويل البحث.
- اللغة المفهومة: أن تُقدَّم المعلومات بلغة يفهمها المشارك وبمستوى غير تقني، فالنموذج المكتوب بلغة طبية معقدة لا يحقق غرضه.
- انتفاء الإكراه والإغراء: ألا تُنتزع الموافقة تحت ضغط أو مقابل إغراء مالي مبالغ فيه يفسد حرية الاختيار، ويُفرَّق بين تعويض النفقات المعقولة والإغراء المؤثر.
- الكتابة والتوثيق: أن تُوثَّق كتابةً بتوقيع المشارك وشاهد حيث يلزم، وأن تُسلَّم له نسخة.
- حق الانسحاب: أن يُبلَّغ المشارك صراحةً بحقه في الانسحاب في أي وقت دون إبداء أسباب ودون أن يؤثر ذلك على حقه في العلاج المعتاد.
- الموافقة المستمرة: إذا ظهرت معلومات جديدة عن المخاطر أثناء البحث، وجب إعادة إحاطة المشارك وأخذ موافقته من جديد.
حماية الفئات الضعيفة
تشتد الحماية كلما ضعفت قدرة المشارك على حماية نفسه:
- القُصَّر: تُشترط موافقة الولي أو الوصي، مع مراعاة رأي القاصر متى كان مميزًا، ولا تجوز التجربة عليهم إلا إذا كانت لا تتحقق أهدافها على البالغين وكانت المخاطر ضئيلة.
- فاقدو الأهلية: تُشترط موافقة الممثل القانوني وضمانات إضافية، ويُشترط أن يكون البحث متصلًا بحالتهم.
- الحوامل والأجنة: تخضع لضوابط مشددة لتعدد المصالح المحمية.
- العلاقات غير المتكافئة: يجب توخي الحذر عند استقطاب مشاركين تربطهم بالباحث علاقة تبعية كالطلاب أو الموظفين أو المرضى تحت رعايته المباشرة، لاحتمال التأثير على حرية القرار.
- السجناء والمحتجزون: تثير مشاركتهم إشكالًا خاصًا لأن حرية الاختيار في بيئة الاحتجاز محل شك.
الخصوصية وسرية البيانات
تنتج البحوث الطبية كمًا هائلًا من البيانات الحساسة التي تستوجب حماية خاصة:
- ترميز البيانات: فصل بيانات الهوية عن البيانات الطبية واستعمال رموز، بما يقلل مخاطر الكشف.
- حدود الاستعمال: استعمال البيانات في الغرض المصرح به فقط، فاستخدامها في بحث لاحق يستلزم موافقة جديدة أو إذنًا من لجنة الأخلاقيات.
- العينات البيولوجية: تخضع لأحكام خاصة تتعلق بمدة الحفظ والتصرف فيها بعد انتهاء البحث، ويجب بيان ذلك في نموذج الموافقة.
- النقل عبر الحدود: إذا كان الراعي جهة أجنبية، وجب فحص التزامات نقل البيانات والعينات إلى الخارج.
- النشر: نشر النتائج بصورة لا تسمح بتحديد هوية المشاركين.
المسؤولية والتعويض
حين يقع الضرر، تتوزع المسؤولية على أطراف متعددة:
- مسؤولية الباحث: عن الخطأ في تصميم البحث أو تنفيذه أو في متابعة المشاركين أو في الإفصاح عن المخاطر.
- مسؤولية المنشأة: عن القصور في التجهيزات أو الإشراف أو في نظم السلامة.
- مسؤولية الراعي: الجهة الممولة أو المنتجة، ولا سيما فيما يتصل بسلامة المنتج محل الاختبار والمعلومات التي قدمتها عنه.
- التأمين: يُشترط عادةً وجود تغطية تأمينية للمشاركين تغطي الأضرار الناشئة عن البحث، ويجب بيان ذلك لهم مسبقًا.
- الموافقة لا تُسقط الحق: تنبيه جوهري: موافقة المشارك على المخاطر المعلومة لا تعني تنازله عن حقه في التعويض عن الأضرار الناشئة عن خطأ أو تقصير، وكل شرط يقضي بغير ذلك لا يُعتد به.
- البعد الجزائي: إجراء تجربة دون ترخيص أو دون موافقة صحيحة قد يشكّل جريمة إلى جانب المسؤولية المدنية.
نصائح للمشاركين وللباحثين
- للمشاركين: لا توقّعوا نموذج موافقة قبل قراءته كاملًا وطرح كل سؤال يخطر لكم، واطلبوا وقتًا للتفكير.
- اطلبوا نسخة موقّعة من نموذج الموافقة واحتفظوا بها.
- اسألوا صراحةً عن التغطية التأمينية وعن الجهة التي تتحمل كلفة علاج أي مضاعفات.
- تأكدوا من أن انسحابكم لن يؤثر على علاجكم المعتاد، واطلبوا تأكيد ذلك كتابةً.
- للباحثين: لا تبدأوا أي إجراء قبل صدور موافقة لجنة الأخلاقيات كتابةً، ولو كان الإجراء تمهيديًا.
- وثّقوا كل حدث ضائر فور وقوعه وأبلغوا اللجنة، فالتأخير في الإبلاغ يفاقم المسؤولية.
إن البحث الطبي على البشر يقوم على ثقة يمنحها متطوع لمن يجري التجربة، وحماية هذه الثقة قانونًا شرط لاستمرار البحث العلمي ذاته. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة المشورة للمنشآت الصحية والباحثين في مراجعة بروتوكولات البحث ونماذج الموافقة وعقود الرعاية، ويمثل المتضررين في دعاوى التعويض عن أضرار البحوث الطبية.