لا يقع التحرش في الشارع أو عبر الهاتف فقط، بل كثيراً ما يقع في المكان الذي يقضي فيه الإنسان أغلب ساعات يومه: مكان العمل. وهنا يختلف الأمر اختلافاً جوهرياً، لأن المتحرش قد يكون مديراً مباشراً يملك تقييم الأداء والترقية والنقل، أو زميلاً يحتمي بعلاقاته داخل الإدارة، أو عميلاً مهماً تخشى الجهة خسارته. فتجد الضحية نفسها أمام معادلة صعبة: إن سكتت استمر الأذى، وإن اشتكت خشيت على رزقها ومستقبلها المهني.
هذا المقال مخصص لهذه الزاوية تحديداً: التحرش في بيئة العمل في الكويت. فهو لا يعيد الشرح العام لجرائم العرض وأركانها، إذ تناولناها في مقال جرائم العرض والتحرش في القانون الكويتي، ولا يكرر شرح التعسف الإداري بوجه عام الذي فصّلناه في مقال سوء استخدام السلطة من قبل صاحب العمل. بل يركز على ما يهم الموظف أو العامل الذي تعرّض للتحرش من زميل أو رئيس أو عميل: كيف يشتكي، وما الذي يجب على صاحب العمل فعله، وكيف يحمي نفسه من الانتقام، وما أثر ترك العمل على مستحقاته.
وسنبيّن صور التحرش في بيئة العمل (اللفظي والجسدي والإلكتروني عبر رسائل العمل)، والمسار الجزائي بعبارة عامة، وواجب صاحب العمل في توفير بيئة عمل آمنة، والشكوى الداخلية والتحقيق الإداري، والحماية من الفصل أو النقل الانتقامي، والاستقالة بسبب إخلال صاحب العمل، ووسائل الإثبات، وخصوصية القطاع الحكومي، ثم التعويض المدني. والكلام في هذا المقال يشمل الضحية امرأة كانت أو رجلاً، فالحماية القانونية لا تقوم على جنس المجني عليه.
الإجابة السريعة
إذا تعرّضت للتحرش في مكان العمل في الكويت، فأمامك ثلاثة مسارات مستقلة يمكن أن تسير معاً: مسار داخلي بشكوى مكتوبة إلى صاحب العمل أو الجهة الإدارية ليجري تحقيقاً ويتخذ إجراءً، ومسار جزائي ببلاغ ضد المتحرش إذا كان الفعل يشكّل جريمة وفق قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 أو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015، ومسار عمالي أو مدني للمطالبة بالحقوق والتعويض إذا قصّر صاحب العمل في حمايتك أو انتقم منك بسبب الشكوى.
وصاحب العمل ليس طرفاً محايداً في هذه المسألة: فهو ملزم بتوفير بيئة عمل آمنة، وقد يُسأل مدنياً عن الأفعال التي يرتكبها تابعوه أثناء العمل أو بسببه، وأي فصل أو نقل أو تخفيض يأتي عقاباً على شكوى مشروعة يُعد تعسفاً يفتح باب التعويض.
وأهم ما تفعله من اليوم الأول: وثّق كل شيء (احفظ الرسائل بصورتها الأصلية، ودوّن التواريخ والأماكن وأسماء الحاضرين)، واشتكِ كتابةً واحتفظ بما يثبت الاستلام، ولا تترك العمل فجأة دون إخطار مكتوب يبيّن السبب، ولا تنشر اتهامات علنية على وسائل التواصل حتى لا تتحول من شاكٍ إلى مشكوٍّ في حقه. ثم اعرض واقعتك على محامٍ لاختيار المسار الأنسب وتوقيته، لأن بعض الحقوق العمالية والإدارية تسقط بمدد قصيرة.
الإطار التشريعي
لا يوجد في الكويت، بحسب النصوص المعمول بها وقت إعداد هذا المقال، قانون مستقل خاص بالتحرش في بيئة العمل ينظّم إجراءاته وجزاءاته تفصيلاً. ولذلك تُستمد الحماية من مجموعة تشريعات يتكامل بعضها مع بعض، وينبغي دائماً التحقق من أي تعديل تشريعي لاحق قبل الاعتماد على ما يلي:
- قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960: يجرّم الأفعال الماسة بالعرض والحياء، كهتك العرض والأفعال الفاضحة والتعرض للغير بالقول أو الفعل على نحو يخدش حياءه، إلى جانب جرائم السب والتهديد. ويعتدّ في بعض جرائم العرض بصفة الجاني، إذ يشدد العقوبة في بعض صورها إذا كان الجاني ممن لهم سلطة على المجني عليه.
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015: يعالج الأفعال التي ترتكب عبر الشبكة المعلوماتية ووسائل تقنية المعلومات، ومنها التهديد والابتزاز والإساءة والمساس بالآداب العامة بالوسائل الإلكترونية. وهو الإطار الذي يُستحضر عادة عند التحرش عبر تطبيقات المراسلة أو البريد الإلكتروني أو منصات العمل الرقمية. وقد شرحناه في مقال الجرائم الإلكترونية في القانون الكويتي.
- قانون العمل في القطاع الأهلي رقم 6 لسنة 2010: يحكم علاقة العامل بصاحب العمل في القطاع الخاص، ويلزم صاحب العمل بالتزامات تتصل بالسلامة والصحة المهنية، ويمنح العامل حق إنهاء العقد مع استحقاق مكافأة نهاية الخدمة في حالات إخلال صاحب العمل بالتزاماته أو الاعتداء عليه، وينظم التعويض عن الفصل التعسفي.
- القانون المدني الصادر بالمرسوم بالقانون رقم 67 لسنة 1980: هو أساس المسؤولية عن العمل غير المشروع، ومنه مسؤولية المتحرش الشخصية عن الضرر المادي والأدبي، ومسؤولية المتبوع (صاحب العمل) عن أفعال تابعه متى وقعت أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها.
- قانون الخدمة المدنية الصادر بالمرسوم بالقانون رقم 15 لسنة 1979 ونظامه: يحكم الموظف في الجهات الحكومية، بما فيه من واجبات وظيفية ومحظورات ونظام تأديبي، ويُعد التحرش من الموظف العام إخلالاً جسيماً بواجبات الوظيفة يستوجب المساءلة التأديبية إلى جانب المسؤولية الجزائية.
- قانون العمالة المنزلية رقم 68 لسنة 2015: وتخضع له العمالة المنزلية بدلاً من قانون العمل في القطاع الأهلي، ولها مسار شكوى خاص لدى الجهة المختصة، ولا يمنع ذلك من تطبيق قانون الجزاء على المعتدي.
وإلى جانب التشريعات، قد تتضمن لوائح الشركة الداخلية أو مدونات السلوك أو عقود العمل نصوصاً صريحة تحظر التحرش وتحدد جهة تلقي الشكاوى. وهذه اللوائح تلزم صاحب العمل نفسه، فإن وضعها ثم تجاهلها كان ذلك قرينة قوية على تقصيره.
الأحكام الموضوعية
أولاً: صور التحرش في بيئة العمل
التحرش في مكان العمل ليس صورة واحدة، والقانون لا يشترط أن يكون الفعل جسدياً ليُعتدّ به. ويمكن تصنيف الصور الأكثر شيوعاً على النحو التالي:
- التحرش اللفظي: تعليقات ذات إيحاء جنسي على الجسد أو الملبس، أو نكات بذيئة موجهة، أو أسئلة متكررة عن الحياة الخاصة، أو عبارات تحقير مرتبطة بالجنس، أو دعوات متكررة مرفوضة للقاء خارج العمل.
- التحرش الجسدي: لمس متعمد غير مرغوب فيه، أو محاصرة في مكتب أو ممر أو مصعد، أو الاقتراب الجسدي المقصود. وهذه الصورة قد ترقى إلى جريمة من جرائم العرض بحسب طبيعة الفعل وموضعه وظروفه.
- التحرش غير اللفظي: نظرات أو إشارات أو إيماءات ذات دلالة، أو عرض صور أو مواد غير لائقة في مكان العمل.
- التحرش الإلكتروني عبر قنوات العمل: رسائل خاصة ليلية من المدير عبر واتساب أو تطبيقات المراسلة، أو رسائل عبر البريد الإلكتروني الرسمي أو منصات التواصل الداخلي، أو إرسال صور أو مقاطع، أو استغلال مجموعات العمل للتلميح أو التشهير. وخطورة هذه الصورة أن المتحرش يتذرع أحياناً بأن الرسالة «متعلقة بالعمل».
- تحرش المقايضة: وهو ربط ميزة وظيفية (تجديد عقد، ترقية، تقييم، مكافأة، إجازة) بالاستجابة لطلب ذي طابع جنسي، أو التهديد بضرر وظيفي عند الرفض. وهذه أخطر الصور لأنها تجمع بين المساس بالعرض واستغلال السلطة الوظيفية.
- البيئة العدائية: تكرار أفعال قد تبدو منفردة بسيطة، لكنها مجتمعة تجعل مكان العمل خانقاً ومهيناً للضحية، كالتعليقات اليومية أو الإقصاء المتعمد بعد رفض التقرب.
والمعيار الحاسم في الغالب هو أن السلوك غير مرغوب فيه من جهة الضحية، وأنه ذو طابع جنسي أو يمس الحياء أو الكرامة. ولا يشترط أن تكون الضحية قد اعترضت صراحة في كل مرة، فالخوف من فقدان الوظيفة سبب مفهوم للصمت، ولا يُفهم منه الرضا.
ثانياً: الجانب الجزائي بعبارة عامة
ليس كل سلوك مسيء في العمل جريمة، لكن كثيراً من صور التحرش تقع تحت طائلة قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960، ومنها الأفعال الماسة بالعرض والأفعال الفاضحة والتعرض للغير بالقول أو الإشارة على نحو يخدش حياءه، وكذلك السب والتهديد. ويختلف التكييف بحسب طبيعة الفعل: فاللمس المتعمد لمواضع العورة يختلف قانوناً عن التعليق اللفظي، والفعل المقترن بإكراه أو تهديد يختلف عن مجرد الإلحاح.
أما الرسائل والصور والمقاطع المرسلة عبر الهاتف أو البريد أو التطبيقات، فقد تشكّل جرائم وفق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015، خاصة إذا اقترنت بتهديد أو ابتزاز أو تضمنت مواد منافية للآداب. وإن استُعملت صور الضحية أو معلوماتها للضغط عليها، دخل الفعل في دائرة الابتزاز الإلكتروني.
ولا نورد هنا أرقام المواد ولا مقادير العقوبات عمداً، لأن التكييف الدقيق يتوقف على تفاصيل الواقعة، ولأن الخطأ في وصف الجريمة قد يضر بالشكوى. والمهم أن تعلم أن المسار الجزائي مستقل عن المسار الوظيفي: فلا يشترط أن تشتكي داخلياً قبل تقديم البلاغ، ولا يمنع التحقيق الداخلي من البلاغ، ولا يكفي أن تكون الشركة قد «سوّت الموضوع» داخلياً لإنهاء المسار الجزائي.
ثالثاً: واجب صاحب العمل في توفير بيئة عمل آمنة
يلزم قانون العمل في القطاع الأهلي رقم 6 لسنة 2010 صاحب العمل باتخاذ ما يلزم لحماية العمال من أخطار العمل والمحافظة على سلامتهم وصحتهم. ومفهوم السلامة في الفهم الحديث لا يقتصر على السقوط والآلات والحرائق، بل يمتد إلى حماية العامل من الاعتداء والإيذاء داخل مكان العمل. ويترتب على ذلك عملياً أن صاحب العمل الحريص يُنتظر منه:
- وضع سياسة مكتوبة تحظر التحرش وتعرّفه وتبين جهة تلقي الشكاوى، وإعلامها للعاملين.
- توفير قناة شكوى آمنة لا تمر بالضرورة عبر الشخص المشكو في حقه، خاصة إذا كان المدير المباشر.
- التعامل مع الشكوى بجدية وسرية، والتحقيق فيها خلال مدة معقولة بواسطة جهة محايدة.
- اتخاذ تدابير مؤقتة لحماية الشاكي أثناء التحقيق، على ألا تكون على حسابه، كأن يُنقل المشكو في حقه لا الشاكي، أو يُفصل خط التبعية الإدارية بينهما.
- توقيع الجزاء التأديبي المتناسب إذا ثبتت الواقعة، في حدود ما يجيزه القانون ولائحة الجزاءات.
- عدم الانتقام من الشاكي أو الشهود بأي صورة.
وإذا كان المتحرش هو صاحب العمل نفسه أو من يمثله، فالأمر أوضح: فالقانون يعتبر الاعتداء على العامل من صاحب العمل أو من يمثله إخلالاً جسيماً يبرر للعامل ترك العمل مع حفظ حقوقه، على نحو ما نبيّنه في البند السادس.
ومن جهة المسؤولية المدنية، يُسأل صاحب العمل بوصفه متبوعاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى وقع منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها. فإذا استغل المدير سلطته الوظيفية وأدوات العمل للتحرش بمرؤوسته، أمكن طرح مسؤولية الشركة إلى جانب مسؤوليته الشخصية، ويتوقف ذلك على ظروف كل واقعة.
رابعاً: الشكوى الداخلية والتحقيق الإداري
الشكوى الداخلية ليست شرطاً قانونياً للبلاغ الجزائي، لكنها مهمة لثلاثة أسباب: أنها تضع صاحب العمل في موضع العلم فلا يستطيع لاحقاً ادعاء الجهل، وأنها تخلق سجلاً مكتوباً مؤرخاً للواقعة، وأنها تجعل أي إجراء سلبي لاحق ضد الشاكي قرينة على الانتقام.
وحتى تؤدي الشكوى الداخلية غرضها، يُراعى فيها ما يلي:
- أن تكون مكتوبة، عبر البريد الإلكتروني الرسمي أو خطاب يُسلَّم مقابل توقيع بالاستلام، لا شفهية في ممر أو اجتماع.
- أن توجَّه إلى الجهة المحددة في لائحة الشركة (الموارد البشرية أو الإدارة القانونية أو الإدارة العليا)، وإن كان المشكو في حقه هو مسؤول الموارد البشرية نفسه فتوجَّه إلى من يعلوه.
- أن تسرد الوقائع بتواريخها وأماكنها وأسماء الشهود، دون مبالغة ودون أوصاف قانونية تفصيلية.
- أن تطلب صراحة اتخاذ إجراءات لحماية الشاكي أثناء التحقيق وعدم التعرض له.
- أن يحتفظ الشاكي بنسخة منها ومن أي رد عليها.
أما التحقيق الإداري في القطاع الخاص، فيقتضي في الأصل سماع الطرفين والشهود ومواجهة المشكو في حقه بما نُسب إليه، ثم إصدار قرار مسبب. ومن مصلحة الشاكي أن يُبلَّغ بنتيجة التحقيق بالقدر الذي يعنيه، وأن يطلب ذلك كتابة. وإذا أغلقت الشركة الشكوى دون تحقيق جدي، أو اكتفت بلفت نظر شكلي رغم جسامة الوقائع، فهذا بذاته عنصر يُستند إليه لاحقاً في إثبات تقصير صاحب العمل.
وينبغي الانتباه إلى أن الشركة قد تطلب من الشاكي التوقيع على إقرار أو محضر «تسوية» أو «تنازل». لا توقّع على أي مستند من هذا النوع قبل قراءته بعناية وعرضه على محامٍ، لأن بعض الصياغات قد تُفسَّر لاحقاً على أنها إبراء من مطالبات معينة أو إقرار بعدم وقوع الفعل.
خامساً: حماية الشاكي من الانتقام بالفصل أو النقل
الخوف من الانتقام هو السبب الأول لصمت ضحايا التحرش في العمل. والقاعدة أن سلطة صاحب العمل في الإنهاء والنقل والتقييم ليست مطلقة، بل مقيدة بألا يُساء استعمالها وبأن يكون لها سبب مشروع. فإذا جاء الإجراء عقاباً على شكوى مشروعة، كان تعسفاً.
- الفصل بعد الشكوى: إذا أنهى صاحب العمل العقد بعد تقديم الشكوى بفترة قصيرة، دون سبب جدي موثق سابق أو بسبب مصطنع، فهذا من صور الفصل التعسفي الذي يستحق عنه العامل التعويض إلى جانب مستحقاته. وقد فصّلنا قواعده في مقال التعويض عن الفصل التعسفي في قانون العمل الكويتي.
- النقل الانتقامي: نقل الشاكي إلى موقع أبعد، أو وظيفة أدنى، أو مهام لا تناسب خبرته، أو عزله عن فريقه، بينما يبقى المتحرش في مكانه. والنقل الذي يخفي جزاءً تأديبياً مقنّعاً أو يلحق بالعامل ضرراً دون مقتضٍ من مصلحة العمل لا تحميه سلطة الإدارة.
- التخفيض والتضييق: خفض الراتب أو المسمى، أو الحرمان من المكافآت والحوافز، أو تقييم أداء سلبي مفاجئ بعد سنوات من التقييمات الجيدة. وقد تناولنا حدود سلطة صاحب العمل في ذلك في مقال تخفيض الراتب أو تغيير المسمى الوظيفي في الكويت.
والعنصر الأهم في إثبات الانتقام هو التسلسل الزمني: تاريخ الشكوى، ثم تاريخ الإجراء السلبي، ومقارنة معاملة الشاكي قبل الشكوى وبعدها. ولهذا فإن الشكوى المكتوبة المؤرخة، والتقييمات السابقة، والرسائل التي تثبت الأداء الجيد، أدوات أساسية في هذا الإثبات. كما أن الشهود الذين أدلوا بأقوالهم في التحقيق يستحقون الحماية ذاتها، وأي إجراء ضدهم يُقرأ في السياق نفسه.
سادساً: الاستقالة بسبب الإخلال وأثرها على المستحقات
قد يصل الحال بالضحية إلى أنها لا تستطيع الاستمرار. وهنا يقع كثيرون في خطأ مكلف: تقديم استقالة عادية بعبارة مقتضبة، أو الانقطاع عن العمل فجأة. والفرق بين هذين الطريقين وبين الطريق الصحيح كبير في أثره المالي.
ففي الاستقالة العادية، قد تُستحق مكافأة نهاية الخدمة منقوصة بحسب مدة الخدمة وفق ما يقرره قانون العمل رقم 6 لسنة 2010، ويلتزم العامل بمهلة الإخطار. وقد شرحنا ذلك في مقال الاستقالة في قانون العمل الكويتي.
أما إذا ترك العامل العمل بسبب إخلال صاحب العمل بالتزاماته، أو بسبب اعتداء وقع عليه من صاحب العمل أو من يمثله، أو لأن الاستمرار في العمل يهدد سلامته، فإن القانون يجيز له إنهاء العقد مع احتفاظه بحقه في مكافأة نهاية الخدمة كاملة كما لو كان العقد قد أُنهي من جانب صاحب العمل، فضلاً عن إمكان المطالبة بالتعويض إن توافر مقتضاه. وتقدير توافر هذه الحالة يرجع إلى المحكمة في ضوء الأدلة.
ولكي يحتفظ العامل بهذا الوضع، يُستحسن:
- أن يكون الإنهاء بخطاب مكتوب يذكر صراحة أنه بسبب التحرش وإخلال صاحب العمل بواجب الحماية، مع الإشارة إلى الشكوى السابقة وتاريخها إن وجدت.
- ألا يُستعمل لفظ «استقالة» مجرداً دون بيان السبب، وألا يُوقَّع على نموذج استقالة جاهز تعده الشركة.
- ألا ينقطع عن العمل دون إخطار، لأن الانقطاع قد يُتخذ ذريعة لإنهاء العقد من جانب صاحب العمل بسبب الغياب.
- أن يجمع أدلته المشروعة قبل مغادرة المكان، فبعد المغادرة يفقد غالباً الوصول إلى البريد الرسمي وأنظمة العمل.
وتنبغي المبادرة بعد انتهاء العلاقة إلى تقديم الشكوى العمالية، لأن القانون يقيّد سماع الدعاوى العمالية بمدة قصيرة نسبياً بعد انتهاء العقد. وللتعرف على المسار الإجرائي راجع مقال إجراءات دعاوى العمل في الكويت: من الشكوى إلى التنفيذ.
سابعاً: الإثبات: الرسائل والشهود والكاميرات
التحرش في العمل يقع غالباً بعيداً عن الأعين، ولذلك يقوم إثباته عادة على تراكم قرائن متساندة لا على دليل واحد قاطع. وأهم الوسائل:
- الرسائل الإلكترونية: احتفظ بالهاتف أو الجهاز الأصلي، ولا تكتفِ بلقطات الشاشة، ولا تحذف المحادثة حتى لو كانت مؤلمة. صدّر المحادثة كاملة بتواريخها، واحفظ رقم المرسل وحسابه. وقد شرحنا شروط قبول هذه الأدلة في مقال الإثبات بالرسائل الإلكترونية والواتساب في الكويت.
- البريد الرسمي وأنظمة العمل: الرسائل المرسلة عبر البريد أو منصات الشركة محفوظة على خوادمها، ويمكن طلب ضبطها عبر جهة التحقيق أو المحكمة إن رفضت الشركة تقديمها. ولا تنقل بيانات الشركة السرية إلى جهات خارجية بغير طريق قانوني، واكتفِ بحفظ ما يخصك من مراسلات.
- الشهود: الزملاء الذين شاهدوا أو سمعوا، أو الذين أسرّت إليهم الضحية بما حدث وقت وقوعه. وشهادة من سمع الشكوى فور الواقعة لها قيمة كقرينة حتى لو لم يشاهد الفعل نفسه.
- الكاميرات: كثير من مقار العمل مزودة بكاميرات، وتسجيلاتها تُحفظ لمدد محدودة ثم تُمحى تلقائياً. لذلك اطلب كتابة من الشركة حفظ التسجيلات فور الواقعة، وإن كان هناك بلاغ جزائي فاطلب من جهة التحقيق التحفظ عليها سريعاً. وللمزيد عن أحكام الكاميرات راجع مقال قانون الكاميرات الأمنية في الكويت.
- السجل الشخصي المعاصر: مذكرة تكتبها الضحية بعد كل واقعة بتاريخها ووقتها ومكانها وما قيل حرفياً ومن كان حاضراً. هذا السجل ليس دليلاً قاطعاً بذاته، لكنه يساعد على الدقة ويعزز المصداقية.
- التقارير الطبية والنفسية: إن ترتب على التحرش أذى جسدي أو اضطراب نفسي استدعى علاجاً، فهي مهمة لإثبات الضرر وتقدير التعويض.
أما تسجيل المتحرش صوتياً دون علمه، فمسألة دقيقة: فقد يكون وسيلة الإثبات الوحيدة، لكنه قد يعرّض من سجّل للمساءلة بحسب الظروف. وقد تناولنا هذا التوازن في مقال التسجيل الصوتي دون علم الطرف الآخر في الكويت، فاستشر قبل الإقدام عليه أو قبل تقديمه.
ثامناً: خصوصية القطاع الحكومي
إذا كانت الضحية موظفة في جهة حكومية، فلا يطبق قانون العمل في القطاع الأهلي على علاقتها الوظيفية، بل قانون الخدمة المدنية ونظامه واللوائح الخاصة بالجهة. ويترتب على ذلك فروق عملية مهمة:
- الشكوى تُقدَّم إلى الرئيس الأعلى أو إلى الإدارة القانونية أو جهة التحقيق الإداري في الجهة، ويجري التحقيق وفق ضمانات النظام التأديبي، وقد ينتهي بجزاء تأديبي على المتحرش يتناسب مع جسامة المخالفة.
- القرار الإداري بنقل الشاكية أو ندبها أو خفض تقييمها انتقاماً قرار قابل للتظلم ثم الطعن أمام الدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية، لكن مواعيد التظلم والطعن في القرارات الإدارية قصيرة وتبدأ من تاريخ العلم بالقرار، فلا يجوز التراخي.
- المسار الجزائي قائم كذلك، ولا يوقف التحقيق الإداري البلاغ الجزائي. وإذا صدر حكم جزائي بالإدانة، فقد تترتب عليه آثار على الوظيفة العامة للمحكوم عليه.
- مسؤولية الجهة الحكومية المدنية عن أعمال موظفيها قد تُطرح وفق قواعد مسؤولية المتبوع، ويتوقف ذلك على ظروف كل واقعة.
ولمزيد من التفصيل في النظام التأديبي الحكومي راجع مقال التأديب الوظيفي في الخدمة المدنية الكويتية.
تاسعاً: التعويض المدني
للضحية أن تطالب بالتعويض عن الضرر المادي والأدبي الذي لحقها. ويمكن أن يوجَّه طلب التعويض إلى أكثر من خصم بحسب الأحوال:
- المتحرش شخصياً: على أساس المسؤولية عن العمل غير المشروع، سواء بالادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية تبعاً للدعوى الجزائية، أو بدعوى مدنية مستقلة.
- صاحب العمل: بوصفه متبوعاً إذا وقع الفعل من تابعه أثناء الوظيفة أو بسببها، أو على أساس إخلاله بالتزامه بالحماية وتقصيره في التعامل مع الشكوى، أو على أساس الفصل التعسفي إن انتقم من الشاكي.
ويشمل التعويض الضرر المادي كنفقات العلاج وفوات الأجر، والضرر الأدبي كالألم النفسي والمساس بالكرامة والسمعة، وتقدّره المحكمة بحسب ظروف كل حالة، دون مبالغ ثابتة يمكن التنبؤ بها مسبقاً. وللمزيد راجع مقال التعويض عن الأضرار الجسدية والمعنوية في القانون المدني الكويتي.
وتحذير أخير في هذا البند: لا تنشر اسم المتحرش أو صوره أو اتهامات صريحة له على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يقول القضاء كلمته، مهما كان الغضب مشروعاً. فالنشر قد يعرّض الضحية نفسها للمساءلة عن القذف أو التشهير، ويضعف موقفها في الدعوى. وقد شرحنا ذلك في مقال القذف والسب والتشهير في القانون الكويتي. وفي المقابل، فإن الشكوى الكاذبة أو الكيدية لها بدورها عواقب، على نحو ما بيّناه في مقال البلاغ الكاذب والشكوى الكيدية في الكويت، ولهذا فإن الدقة والأمانة في سرد الوقائع مصلحة للضحية قبل غيرها.
مبادئ محكمة التمييز
تتصل بموضوع هذا المقال مبادئ عامة مستقرة في قضاء محكمة التمييز الكويتية، نعرضها بمضمونها دون نسبتها إلى أحكام بعينها:
- استقر قضاء محكمة التمييز على أن سلطة صاحب العمل في تنظيم منشأته ونقل العاملين وتوزيع العمل مقيدة بأن تكون لمصلحة العمل، وألا تُتخذ ستاراً لجزاء مقنّع أو للإضرار بالعامل، وأن إساءة استعمال هذه السلطة تستوجب المسؤولية.
- واستقر كذلك على أن إنهاء عقد العمل يكون تعسفياً إذا لم يستند إلى مبرر مشروع، وأن استخلاص التعسف من ظروف الدعوى وملابساتها مما تستقل به محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة.
- ومن المقرر في قضائها أن المتبوع يُسأل عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، وأن هذه المسؤولية تقوم متى كانت الوظيفة قد يسّرت ارتكاب الفعل أو هيّأت له الفرصة.
- ومن المستقر أن لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تقدير أقوال الشهود والأخذ بما تطمئن إليه منها، وفي تقدير القرائن واستنباط الحقيقة منها، ما دام استخلاصها سائغاً وله أصله الثابت في الأوراق.
- ومن المقرر أن الحكم الجزائي البات يحوز حجية أمام المحكمة المدنية فيما فصل فيه فصلاً لازماً في وقوع الفعل ونسبته إلى فاعله.
- ومن المستقر أن تقدير التعويض الجابر للضرر المادي والأدبي من سلطة محكمة الموضوع، متى بيّنت عناصر الضرر التي أدخلتها في حسابها.
تنويه منهجي: المبادئ السابقة معروضة بمضمونها العام كما استقر عليها القضاء، ولم نورد أرقام طعون أو تواريخ أحكام بعينها لأننا لا ننسب إلى المحكمة أحكاماً لم نتحقق من نصها. ولا تغني هذه المبادئ عن الرجوع إلى الأحكام ذاتها ودراسة انطباقها على وقائع كل حالة، فالتطبيق القضائي يتأثر بتفاصيل الوقائع والأدلة.
الإجراءات العملية والمستندات
ترتيب الخطوات مهم، والتوقيت أحياناً أهم. وفيما يلي تسلسل عملي مقترح يمكن تكييفه بحسب ظروف كل حالة:
- الخطوة الأولى: الأمان أولاً. إذا وقع اعتداء جسدي، ابتعد عن المكان، واطلب المساعدة، وتوجه إلى المركز الصحي أو المستشفى لتوثيق أي إصابة، ثم إلى المخفر.
- الخطوة الثانية: التوثيق الفوري. احفظ الرسائل والصور على الجهاز الأصلي ونسخة احتياطية، ودوّن الوقائع وأسماء الشهود في اليوم نفسه.
- الخطوة الثالثة: طلب حفظ الأدلة. اطلب كتابة من الشركة حفظ تسجيلات الكاميرات والمراسلات المتعلقة بالواقعة.
- الخطوة الرابعة: الشكوى الداخلية المكتوبة. قدّمها إلى الجهة المختصة واحتفظ بإثبات الاستلام، واطلب تدابير حماية مؤقتة.
- الخطوة الخامسة: البلاغ الجزائي عند الاقتضاء. يُقدَّم إلى المخفر أو جهة التحقيق المختصة، وفي الجرائم الإلكترونية يمكن التوجه إلى الجهة المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية. قدّم الأدلة بصورتها الأصلية.
- الخطوة السادسة: رصد الانتقام. إن صدر أي إجراء سلبي ضدك بعد الشكوى، اعترض عليه كتابة فوراً، واحتفظ بنسخة القرار.
- الخطوة السابعة: المسار العمالي أو الإداري. في القطاع الخاص تُقدَّم الشكوى العمالية إلى الهيئة العامة للقوى العاملة ثم تُحال إلى المحكمة إن لم تُسوَّ، وفي القطاع الحكومي يكون التظلم ثم الطعن الإداري في المواعيد.
- الخطوة الثامنة: دعوى التعويض. بالادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية أو بدعوى مدنية مستقلة، في مواجهة المتحرش وصاحب العمل بحسب الأحوال.
المستندات التي يُستحسن تجهيزها:
- البطاقة المدنية، وعقد العمل، وآخر كشوف الراتب، وما يثبت المسمى الوظيفي وتاريخ الالتحاق.
- لائحة الشركة الداخلية أو مدونة السلوك إن وجدت.
- المحادثات والرسائل بصورتها الأصلية ونسخ مصدَّرة منها بتواريخها.
- السجل الشخصي للوقائع وأسماء الشهود وبيانات التواصل معهم.
- نسخة الشكوى الداخلية وإثبات استلامها وأي رد عليها أو قرار صادر بشأنها.
- القرارات اللاحقة للشكوى (نقل، إنذار، تقييم، إنهاء) مع التقييمات السابقة للمقارنة.
- التقارير الطبية أو النفسية، وإيصالات نفقات العلاج.
- رقم البلاغ الجزائي إن قُدِّم.
حالات افتراضية
الحالة الأولى: رسائل ليلية من المدير المباشر
الواقعة الافتراضية: موظفة في شركة خاصة بدأ مديرها المباشر يراسلها عبر واتساب بعد منتصف الليل برسائل تبدأ بالسؤال عن العمل ثم تنتقل إلى الإطراء على شكلها ودعوتها إلى العشاء. ولما تجاهلت الرسائل، أبلغها أن «تقييمها السنوي بيده» وأن تجديد عقدها «يعتمد على تعاونها».
التكييف القانوني: هذه صورة من تحرش المقايضة المقترن باستغلال السلطة الوظيفية، وقد تشكّل الرسائل جرائم وفق قانون الجزاء أو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بحسب مضمونها، خاصة عبارة التهديد بالضرر الوظيفي. والرسائل هنا دليل مباشر إذا حُفظت بصورتها الأصلية. وتستطيع الموظفة الجمع بين شكوى داخلية إلى الإدارة العليا (لا إلى المدير نفسه) وبلاغ جزائي. فإن لم يُجدَّد عقدها أو خُفّض تقييمها بعد الشكوى، كان التسلسل الزمني قرينة على الانتقام يمكن الاستناد إليها في المطالبة بالتعويض.
الحالة الثانية: شكوى أُغلقت ونقل للشاكي
الواقعة الافتراضية: موظف اشتكى زميلاً يلمسه بطريقة غير لائقة في المستودع، فأجرت الشركة «تحقيقاً» سريعاً لم يُسمع فيه الشهود، وانتهت إلى عدم ثبوت الواقعة، ثم نُقل الشاكي إلى فرع بعيد بحجة «إعادة الهيكلة»، بينما بقي الزميل في مكانه.
التكييف القانوني: التحقيق الذي لا يُسمع فيه الشهود ولا يُواجَه فيه المشكو في حقه لا يُعد تحقيقاً جدياً، وهو عنصر في إثبات تقصير صاحب العمل في واجب الحماية. ونقل الشاكي دون المشكو في حقه عقب الشكوى مباشرة يثير شبهة النقل الانتقامي أو الجزاء المقنّع، خاصة إن لم تكن هناك إعادة هيكلة حقيقية تشمل غيره. وللموظف أن يعترض كتابة على النقل، وأن يطالب بإلغائه أو بالتعويض، وأن يقدم بلاغاً جزائياً مستقلاً مستعيناً بالشهود وتسجيلات كاميرات المستودع إن حُفظت.
الحالة الثالثة: موظفة حكومية تفكر في الاستقالة
الواقعة الافتراضية: موظفة في جهة حكومية تعرضت لتعليقات متكررة ذات إيحاء جنسي من رئيس القسم، فاشتكت، وتأخر التحقيق أشهراً. وفي الأثناء صدر قرار بندبها إلى إدارة أخرى بمهام أدنى. وهي تفكر في الاستقالة.
التكييف القانوني: العلاقة هنا يحكمها قانون الخدمة المدنية لا قانون العمل في القطاع الأهلي، فأحكام ترك العمل مع المكافأة الكاملة الواردة في قانون العمل لا تنطبق عليها كما هي. والأجدى لها قبل الاستقالة: التظلم من قرار الندب في الميعاد ثم الطعن عليه أمام الدائرة الإدارية إن رُفض التظلم، ومطالبة الجهة كتابة بإنجاز التحقيق، وتقديم بلاغ جزائي إن كانت الأفعال تشكل جريمة. فالاستقالة قد تُضعف مصلحتها في الطعن على القرار أو تُنهي علاقة كانت تستطيع حمايتها، ولذلك ينبغي ألا تقدّمها قبل استشارة قانونية.
مقارنة سريعة بين المسارات
- الشكوى الداخلية: جهتها صاحب العمل أو الجهة الإدارية، وغايتها وقف الفعل ومعاقبة المتحرش تأديبياً وحماية الشاكي. ميزتها السرعة المحتملة وإثبات علم صاحب العمل، وعيبها أن جهة التحقيق ليست محايدة دائماً.
- البلاغ الجزائي: جهته المخفر أو جهة التحقيق المختصة، وغايته معاقبة المتحرش جزائياً. ميزته قوة الردع وأدوات ضبط الأدلة، وعيبه أنه يقتضي أدلة كافية ويستغرق وقتاً.
- الشكوى العمالية (القطاع الخاص): جهتها الهيئة العامة للقوى العاملة ثم المحكمة، وغايتها المستحقات والتعويض عن الفصل التعسفي أو الإخلال. ميزتها حماية الحقوق المالية، وعيبها قصر المدد التي تُسمع فيها.
- التظلم والطعن الإداري (القطاع الحكومي): جهته الجهة الحكومية ثم الدائرة الإدارية، وغايته إلغاء القرار الانتقامي والتعويض عنه. ميزته إمكان إعادة الوضع الوظيفي، وعيبه المواعيد القصيرة الصارمة.
- دعوى التعويض المدني: جهتها المحكمة (بالتبعية للدعوى الجزائية أو مستقلة)، وغايتها جبر الضرر المادي والأدبي من المتحرش وصاحب العمل. ميزتها شمول الضرر الأدبي، وعيبها أنها تحتاج إلى إثبات الضرر وعلاقة السببية.
أسئلة شائعة
هل التعليقات اللفظية وحدها تعد تحرشاً يمكن الشكوى منه؟
نعم، فالتحرش لا يشترط فيه اللمس. والتعليقات ذات الإيحاء الجنسي أو الماسة بالحياء يمكن الشكوى منها داخلياً، وقد تشكل جريمة بحسب مضمونها وظروفها.
هل يجب أن أشتكي للشركة أولاً قبل تقديم بلاغ للشرطة؟
لا، فالمساران مستقلان، ويجوز البدء بأيهما أو الجمع بينهما. لكن الشكوى الداخلية المكتوبة تفيد في إثبات علم صاحب العمل وفي حمايتك من الانتقام.
المتحرش هو مديري المباشر، فلمن أشتكي؟
إلى من يعلوه في الهيكل، أو إلى الموارد البشرية أو الإدارة القانونية أو الإدارة العليا بحسب لائحة الشركة. ولا يُعقل أن تمر الشكوى عبر الشخص المشكو في حقه.
هل يجوز للشركة فصلي لأنني اشتكيت؟
الفصل عقاباً على شكوى مشروعة من صور الفصل التعسفي الذي يُستحق عنه التعويض إلى جانب المستحقات. والعبرة بإثبات أن الشكوى هي الدافع الحقيقي، وهنا يفيد التسلسل الزمني والتقييمات السابقة.
نقلوني أنا بدلاً من المتحرش، فهل هذا قانوني؟
نقل الشاكي بعد الشكوى دون مقتضٍ حقيقي من مصلحة العمل، مع بقاء المشكو في حقه في مكانه، يثير شبهة النقل الانتقامي أو الجزاء المقنّع، ويمكن الاعتراض عليه والمطالبة بإلغائه أو بالتعويض.
إذا استقلت بسبب التحرش، هل أخسر جزءاً من مكافأتي؟
في القطاع الخاص، إذا كان ترك العمل بسبب إخلال صاحب العمل أو اعتداء منه أو ممن يمثله، فالقانون يحفظ للعامل مكافأته كاملة. أما الاستقالة العادية فقد تنقص فيها المكافأة بحسب مدة الخدمة. ولذلك يجب أن يكون خطاب الإنهاء مكتوباً ومسبباً.
هل لقطات الشاشة كافية لإثبات الرسائل؟
لقطات الشاشة مفيدة لكنها قابلة للطعن. والأقوى هو الاحتفاظ بالجهاز الأصلي والمحادثة كاملة، وتقديمها لجهة التحقيق التي يمكنها التحقق منها فنياً.
ليس لدي شهود على الواقعة، فهل تسقط شكواي؟
لا. فالتحرش يقع غالباً دون شهود، والقاضي يقدّر مجموع القرائن: الرسائل، وسجلك المعاصر، وأقوال من أخبرتهم بعد الواقعة، والتسلسل الزمني، وسلوك الطرفين.
كاميرات المكتب قد تكون صوّرت الواقعة، فكيف أحصل على التسجيل؟
اطلب من الشركة كتابة حفظ التسجيل فوراً لأن التسجيلات تُمحى تلقائياً بعد مدة. وإذا قدّمت بلاغاً جزائياً فاطلب من جهة التحقيق التحفظ عليه، فهي تملك سلطة ضبطه.
المتحرش عميل للشركة وليس موظفاً فيها، فهل صاحب العمل مسؤول؟
واجب صاحب العمل في حماية العاملين لا يقتصر على أفعال موظفيه. فإذا علم بتحرش عميل بأحد العاملين ولم يتخذ ما يلزم لحمايته، أمكن طرح تقصيره، إلى جانب المسؤولية الجزائية والمدنية للعميل نفسه.
هل أستطيع أن أنشر ما حدث على وسائل التواصل؟
لا يُنصح بذلك قبل صدور حكم، لأن نشر الاتهام باسم الشخص أو بما يدل عليه قد يعرضك للمساءلة عن القذف أو التشهير، ويضعف موقفك في الدعوى.
وقّعت على ورقة «تسوية» مع الشركة، فهل انتهى حقي؟
يتوقف ذلك على صياغة الورقة وظروف توقيعها. فالتسوية مع الشركة لا تُسقط بالضرورة الحق في البلاغ الجزائي ضد المتحرش، لكن بعض الصياغات قد تُفسَّر إبراءً من مطالبات معينة. اعرضها على محامٍ.
أنا موظفة حكومية، فهل ينطبق علي قانون العمل؟
لا، فالموظف الحكومي يخضع لقانون الخدمة المدنية ونظامه. والمسارات المتاحة له: الشكوى إلى الجهة والتحقيق الإداري، والتظلم والطعن في القرارات الانتقامية، والبلاغ الجزائي، ودعوى التعويض.
هل الأحكام نفسها تنطبق إذا كانت الضحية رجلاً؟
نعم، فالحماية الجزائية والوظيفية والمدنية لا تقوم على جنس الضحية، والمعيار هو طبيعة الفعل وكونه غير مرغوب فيه.
الخاتمة
التحرش في مكان العمل ليس «مشكلة شخصية» بين زميلين، بل مسألة قانونية لها ثلاثة أبعاد متكاملة: بُعد جزائي يواجَه به المتحرش، وبُعد وظيفي يُلزم صاحب العمل بالتحقيق والحماية وعدم الانتقام، وبُعد مدني يجبر ما لحق الضحية من ضرر. والتشريع الكويتي، وإن لم يُفرد لهذه الظاهرة قانوناً خاصاً، يوفر من خلال قانون الجزاء وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون العمل والقانون المدني وقانون الخدمة المدنية أدوات حقيقية للحماية.
غير أن هذه الأدوات لا تعمل تلقائياً. فنجاح الشكوى يتوقف غالباً على ما تفعله الضحية في الأيام الأولى: حفظ الرسائل بصورتها الأصلية، والشكوى المكتوبة المؤرخة، وطلب حفظ تسجيلات الكاميرات، وعدم ترك العمل أو الاستقالة بطريقة تُضيّع الحقوق، والامتناع عن النشر العلني الذي قد ينقلب ضدها.
ولكل واقعة ظروفها الخاصة: هوية المتحرش وموقعه الوظيفي، وقطاع العمل خاصاً كان أو حكومياً، ونوع الأدلة المتاحة، وما إذا كان انتقام قد وقع أو يُخشى وقوعه. وهذه العناصر هي التي تحدد أي المسارات يُسلك أولاً وأيها يُجمع بينها.
تنبيه قانوني
هذا المقال معلومات قانونية عامة عن القانون الكويتي ولا يُعد استشارة قانونية، ولا ينشئ علاقة بين القارئ والمكتب. وتخضع الأحكام الواردة فيه للتعديل التشريعي وللتطبيق القضائي على وقائع كل حالة، ولم نورد أرقام مواد أو مقادير عقوبات أو مبالغ تعويض لأنها تتوقف على النص النافذ وتفاصيل الواقعة.
إذا تعرضت للتحرش في مكان عملك أو لإجراء انتقامي بعد شكواك، فإن فريق يمناك لأعمال المحاماة يساعدك في تقييم الأدلة، وصياغة الشكوى الداخلية وخطاب إنهاء العقد عند الحاجة، وتقديم البلاغ الجزائي، والمطالبة بحقوقك العمالية أو الطعن في القرار الإداري، ورفع دعوى التعويض. تواصل معنا عبر صفحة اتصل بنا أو احجز موعداً لدراسة حالتك بسرية تامة.