لم يعد إثبات الجريمة يعتمد على الشهادة والاعتراف وحدهما، بل صار الدليل العلمي عنصرًا حاسمًا في كثير من القضايا، من تحديد سبب الوفاة إلى نسبة أثر بيولوجي إلى شخص بعينه. غير أن هذا الدليل، على قوته الظاهرة، ليس حجة مطلقة، إذ يظل خاضعًا لسلطة المحكمة في التقدير ولمناقشة الدفاع في مقدماته وإجراءاته. ويستعرض هذا المقال الإطار القانوني لعمل الطب الشرعي والأدلة العلمية في الدعوى الجزائية الكويتية، وضوابط ندب الخبير، وشروط قبول التقرير، والثغرات التي قد تهدم قيمته في الإثبات.
ندب الخبير والصفة القانونية للتقرير
نظّم قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 1960 الاستعانة بأهل الخبرة في المسائل الفنية التي تخرج عن المعرفة العامة للقاضي:
- سلطة الندب: للنيابة العامة أثناء التحقيق وللمحكمة أثناء المحاكمة أن تندب خبيرًا لإبداء الرأي في مسألة فنية، ويُحدد قرار الندب مهمة الخبير تحديدًا دقيقًا.
- حياد الخبير: يؤدي الخبير مهمته بحياد تام، ويجوز رده إذا قامت أسباب جدية تدعو إلى الشك في حيدته، كصلة القرابة أو المصلحة بأحد الخصوم.
- حدود المهمة: يلتزم الخبير بحدود ما نُدب له، فلا يتجاوز إبداء الرأي الفني إلى تقرير مسائل قانونية كالتكييف أو الإدانة، لأن ذلك من صميم عمل المحكمة.
- حق الدفاع في المناقشة: يجوز للدفاع طلب استدعاء الخبير لمناقشته في تقريره، وطلب ندب خبير آخر أو لجنة ثلاثية إذا شاب التقرير قصور أو تناقض.
وتقرير الخبرة في نهاية المطاف عنصر من عناصر الإثبات تخضع لتقدير محكمة الموضوع، فلها أن تأخذ به كله أو بعضه أو تطرحه، بشرط أن تبيّن أسباب اطراحه بما يكفي لحمل قضائها.
تقرير الصفة التشريحية وتحديد سبب الوفاة
يمثل التشريح في جرائم القتل والوفيات المشتبه فيها حجر الزاوية في بناء الدعوى، ويهدف إلى الإجابة عن أسئلة محددة:
- سبب الوفاة: تحديد الآلية المباشرة التي أدت إلى الوفاة، كالنزف أو الاختناق أو التسمم.
- وقت الوفاة التقريبي: استنادًا إلى التغيرات الرمّية ودرجة حرارة الجسم وظروف المكان، وهو تقدير احتمالي لا يُنتظر منه دقة قاطعة.
- طبيعة الإصابات: تمييز الإصابات الحيوية التي وقعت قبل الوفاة عن التي وقعت بعدها، وتحديد الأداة المستخدمة واتجاه الضربة والمسافة في الإصابات النارية.
- العلاقة السببية: بيان ما إذا كانت الإصابة كافية بذاتها لإحداث الوفاة أم أن عاملًا آخر تدخّل، وهي مسألة مفصلية في تكييف الجريمة بين القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت.
ومن أهم ما ينبغي للدفاع فحصه اتساقُ تقرير الصفة التشريحية مع محضر المعاينة وأقوال الشهود، إذ إن التناقض بين الدليل الفني والدليل القولي يفتح بابًا واسعًا للشك الذي يُفسَّر لمصلحة المتهم.
البصمة الوراثية وضوابطها التشريعية
تُعدّ البصمة الوراثية من أقوى أدوات التعرف، لكنها في الوقت ذاته من أكثرها مساسًا بالخصوصية، وقد شهد تنظيمها في الكويت تطورًا تشريعيًا مهمًا:
- صدر القانون رقم 78 لسنة 2015 في شأن البصمة الوراثية متضمنًا إنشاء قاعدة بيانات وراثية شاملة، وأثار جدلًا واسعًا لاتساع نطاقه.
- عُدّل هذا القانون بالقانون رقم 32 لسنة 2016 الذي قصر نطاق أخذ العينات على الأغراض الجنائية المحددة، بعد المآخذ الدستورية المتعلقة بالحرية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة.
- يُشترط لأخذ العينة سند قانوني صحيح، فلا يجوز انتزاعها قسرًا خارج الحالات والإجراءات التي يحددها القانون.
- تُستخدم البصمة الوراثية أيضًا في المسائل غير الجزائية، ولا سيما في دعاوى النسب التي نظّمها مرسوم بقانون رقم 53 لسنة 2026، بما يجعل الدليل العلمي عنصرًا مؤثرًا في الأحوال الشخصية أيضًا.
ويجب التنبه إلى أن نتيجة المطابقة الوراثية تثبت وجود أثر بيولوجي لشخص في مكان أو على شيء، لكنها لا تفسّر بذاتها كيفية وصوله ولا توقيته، وهو تمييز جوهري كثيرًا ما يُغفل في المرافعات.
سلسلة حيازة الدليل وسلامة العينة
لا قيمة لأدق التحليل إذا كانت العينة نفسها محل شك، ولذلك تكتسب سلسلة الحيازة أهمية توازي أهمية النتيجة المخبرية:
- الرفع والتوثيق: يجب توثيق مكان رفع الأثر وزمانه والقائم بالرفع، مع التصوير الفوتوغرافي قبل الرفع.
- التغليف والحفظ: استخدام أوعية مناسبة تمنع التلوث أو التلف، ولا سيما في العينات البيولوجية الحساسة للحرارة والرطوبة.
- تسلسل النقل: تسجيل كل انتقال للعينة من يد إلى يد بتاريخ وتوقيع، بحيث لا توجد فجوة زمنية غير مفسَّرة.
- الحفظ بعد التحليل: الإبقاء على جزء من العينة متى أمكن، لإتاحة إعادة التحليل عند المنازعة.
وأي انقطاع في هذه السلسلة يفتح باب الدفع بعدم التيقن من أن العينة المحللة هي ذاتها المرفوعة من مسرح الجريمة، وهو دفع جوهري تلتزم المحكمة بالرد عليه.
الأدلة العلمية الأخرى وحدود دلالتها
إلى جانب الطب الشرعي والبصمة الوراثية، تُستخدم أنواع أخرى من الأدلة الفنية، ولكل منها قوة ثبوتية مختلفة:
- بصمات الأصابع: دليل قوي على التماس مع سطح معين، لكنه لا يحدد وقت التماس.
- تحليل المواد والسموم: يُستخدم في جرائم التسمم والمخدرات، ويُشترط دقة أخذ العينة ومعايرة الأجهزة.
- فحص الأسلحة والمقذوفات: لمطابقة المقذوف بالسلاح المضبوط وتحديد مسار الطلق.
- خبرة الخطوط والتزوير: لمضاهاة التوقيعات والمحررات، وهي خبرة تقديرية تحتمل نسبًا من الخطأ.
- الأدلة الرقمية: استخراج البيانات من الأجهزة والحسابات، وتخضع لضوابط مشددة تتعلق بمشروعية الوصول وسلامة النسخ.
نصائح عملية للدفاع في القضايا ذات الطابع الفني
عند مواجهة دعوى يقوم إثباتها على دليل علمي، ننصح بما يلي:
- اطلبوا صورة كاملة من تقرير الخبرة ومرفقاته الفنية، لا الخلاصة وحدها، فالتفاصيل هي موضع الخلل غالبًا.
- افحصوا قرار الندب ومدى التزام الخبير بحدود مهمته وتاريخ مباشرته لها.
- راجعوا سلسلة حيازة العينة بحثًا عن أي فجوة زمنية أو نقص في التوقيعات.
- ابحثوا عن التناقض بين الدليل الفني وباقي أوراق الدعوى، فهو أقوى مداخل الدفاع.
- لا تترددوا في طلب ندب لجنة خبراء ثلاثية إذا كان التقرير الأول قاصرًا أو مبنيًا على فروض غير مؤكدة.
- صيغوا الدفوع الفنية بلغة قانونية دقيقة تربط الخلل الفني بأثره على الإثبات، لا كاعتراض علمي مجرد.
إن التعامل مع الأدلة العلمية يقتضي جمعًا بين الإلمام القانوني والقدرة على قراءة التقارير الفنية بعين ناقدة. ويضم فريق يمناك لأعمال المحاماة خبرة في القضايا الجزائية التي يقوم إثباتها على تقارير الطب الشرعي والأدلة العلمية، بدءًا من مرحلة التحقيق وحتى المرافعة أمام محكمة التمييز.