المسؤولية قبل التعاقد في الكويت: قطع المفاوضات وخطاب النوايا والعقد الإطاري

دليل قانوني لمرحلة ما قبل التوقيع: حرية العدول عن التفاوض وحدودها، والمسؤولية عن قطع المفاوضات بسوء نية، وطبيعة خطاب النوايا ومذكرة التفاهم، والوعد بالتعاقد والعقد الإطاري، واتفاقيات السرية والحصرية، وتقدير التعويض عن الضرر.

بين لحظة الجلوس إلى طاولة التفاوض ولحظة التوقيع تمر شهور أحيانًا، تُنفق فيها أموال على الدراسات والاستشارات والفحص، وتُرفض فيها فرص بديلة، وتُكشف فيها معلومات حساسة. ثم ينسحب أحد الطرفين فجأة. فهل يملك ذلك؟ ومتى يكون انسحابه مشروعًا ومتى يرتب مسؤوليته؟ هذه المرحلة السابقة على التعاقد لا تحكمها قواعد العقد لأنه لم ينعقد بعد، لكنها ليست فراغًا قانونيًا، إذ تحكمها قواعد المسؤولية التقصيرية ومبدأ حسن النية. ويشرح هذا المقال هذه المرحلة والوثائق التي تنظمها في ضوء القانون المدني الكويتي رقم 67 لسنة 1980.

حرية العدول وحدودها

المبدأ الأساسي هو حرية التفاوض، لكن هذه الحرية ليست مطلقة:

  • الأصل: حرية العدول: لكل طرف أن ينسحب من المفاوضات في أي وقت دون مسؤولية، لأن التفاوض لا يُنشئ التزامًا بالتعاقد، ولو طالت مدته.
  • الاستثناء: سوء استعمال الحرية: تقوم المسؤولية إذا انحرف الطرف في ممارسته لحقه في العدول عن الغاية المشروعة منه، فيتحول العدول إلى خطأ يوجب التعويض.
  • الأساس القانوني: تُبنى المسؤولية هنا على أساس تقصيري لا عقدي، لأنه لا عقد بعد، وتقوم على الخطأ والضرر وعلاقة السببية.
  • واجب حسن النية: يسري مبدأ حسن النية على مرحلة التفاوض ذاتها، فيلزم كل طرف بالجدية والصدق في المعلومات وعدم إطالة التفاوض بلا غرض.

صور الخطأ في التفاوض

من واقع الممارسة، تتكرر صور بعينها يُعتد بها خطأ موجبًا للمسؤولية:

  • التفاوض دون نية جادة: الدخول في مفاوضات بلا رغبة حقيقية في التعاقد، بقصد استكشاف أسعار المنافس أو الحصول على معلومات أو تعطيل الطرف الآخر عن صفقة بديلة.
  • القطع المفاجئ في مرحلة متقدمة: الانسحاب دون مبرر بعد أن بلغت المفاوضات مرحلة اتفق فيها الطرفان على العناصر الجوهرية وبقيت التفاصيل، بما خلق ثقة مشروعة لدى الطرف الآخر.
  • كتمان معلومة جوهرية: إخفاء واقعة كان من شأن العلم بها أن يمنع الطرف الآخر من الاستمرار في التفاوض وإنفاق المال.
  • التفاوض الموازي المخالف: إجراء مفاوضات مع طرف ثالث خلافًا لاتفاق حصرية قائم.
  • استغلال المعلومات المتبادلة: استعمال ما حصل عليه من أسرار الطرف الآخر لمصلحته أو تسريبها للغير.
  • تغيير الشروط الجوهرية باستمرار: على نحو يفرغ التفاوض من جدواه ويستنزف الطرف الآخر.

خطاب النوايا ومذكرة التفاهم

هما أكثر الوثائق شيوعًا في هذه المرحلة وأكثرها إثارة للالتباس:

  • الطبيعة القانونية: لا تتحدد بالعنوان بل بالمضمون. فمذكرة تفاهم مصاغة بعبارات قاطعة تحدد الثمن والمحل والأجل قد يكيّفها القضاء عقدًا ملزمًا رغم تسميتها.
  • البنود غير الملزمة: يُنصح بالنص صراحةً على أن الوثيقة تعبّر عن نية أولية ولا تُنشئ التزامًا بالتعاقد، وأن الالتزام لا ينشأ إلا بتوقيع العقد النهائي.
  • البنود الملزمة داخلها: قد تتضمن الوثيقة بنودًا ملزمة بذاتها حتى لو كان أصلها غير ملزم، كبند السرية وبند الحصرية وبند تحمّل المصاريف وبند القانون الواجب التطبيق. ويُنصح بفصلها في قسم مستقل يوضح إلزاميتها.
  • الشروط الواقفة: النص على شروط يجب تحققها قبل الالتزام، كنتيجة الفحص النافي للجهالة أو الحصول على موافقة رقابية أو تمويل.
  • مدة الصلاحية: تحديد مدة لسريان الوثيقة، فبقاؤها مفتوحة يعطّل الطرفين ويثير النزاع.

الوعد بالتعاقد والعقد الإطاري

يجب تمييز هاتين الأداتين عن الوثائق غير الملزمة، فلهما قوة إلزام حقيقية:

  • الوعد بالتعاقد: عقد تام بذاته يلتزم فيه الواعد بإبرام عقد معين إذا أظهر الموعود له رغبته خلال مدة محددة. ويُشترط لصحته تعيين المسائل الجوهرية للعقد الموعود به وتحديد مدة للخيار.
  • أثر الوعد: إذا أبدى الموعود له رغبته في الميعاد وتوافرت الشروط، انعقد العقد. وإذا نكل الواعد، جاز الحكم باعتبار الحكم قائمًا مقام العقد.
  • الوعد المتبادل: إذا التزم الطرفان كلاهما، اقترب الاتفاق من العقد النهائي ذاته.
  • العقد الإطاري: ينظّم العلاقة المستقبلية بين الطرفين ويحدد الشروط العامة التي تحكم أوامر الشراء أو العقود التنفيذية اللاحقة، دون أن يلزم بذاته بكمية أو قيمة محددة ما لم يُنص على ذلك.
  • فائدته: يوفّر الوقت ويوحّد الشروط، لكن يجب تحديد ما إذا كان يرتب التزامًا بالشراء بحد أدنى أم يقتصر على تنظيم ما قد يُطلب مستقبلًا.

اتفاقيات السرية والحصرية

هما الأداتان اللتان تحميان الطرفين فعليًا خلال التفاوض:

  • اتفاقية السرية: يجب إبرامها قبل تبادل أي معلومة، وأن تحدد نطاق المعلومات المشمولة ومدة الالتزام والاستثناءات والجزاء عند الإخلال.
  • الاستثناءات المعتادة: المعلومات المتاحة للعموم، وما كان لدى المتلقي قبل الإفصاح، وما يُلزم القانون بإفشائه.
  • الشرط الجزائي: النص على تعويض اتفاقي عند الإخلال بالسرية يعفي المضرور من عبء إثبات مقدار الضرر، وهو بالغ الأهمية لأن ضرر التسريب يصعب تقديره.
  • اتفاق الحصرية: يلتزم بموجبه أحد الطرفين بعدم التفاوض مع الغير خلال مدة محددة، ومخالفته خطأ عقدي مستقل يوجب التعويض.
  • عدم الاستقطاب: يُنصح في صفقات الاستحواذ بتضمين بند يمنع استقطاب موظفي الطرف الآخر خلال المفاوضات وبعدها لمدة معقولة.

تقدير التعويض

يثير تحديد ما يُعوَّض عنه في هذه المرحلة إشكالًا دقيقًا:

  • ما يُعوَّض عنه: الضرر الفعلي الناشئ عن الثقة المشروعة، ويشمل مصاريف الدراسات والاستشارات والسفر والفحص، وما فات المتضرر من فرصة بديلة أضاعها اعتمادًا على جدية التفاوض.
  • ما لا يُعوَّض عنه عادةً: الأرباح التي كان سيحققها من العقد لو أُبرم، لأن العقد لم ينعقد أصلًا ولا يجوز أن يُعامل المتضرر كما لو كان قد أُبرم.
  • تفويت الفرصة: يجوز التعويض عن ضياع فرصة جدية كانت متاحة للمتضرر ورفضها بسبب التفاوض القائم، ويُقدَّر بنسبة احتمال تحققها لا بقيمتها كاملة.
  • الضرر الأدبي: قد يُقضى به إذا مسّ القطع سمعة المتضرر التجارية.
  • عبء الإثبات: على المدعي إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، ولذلك يكون توثيق مراحل التفاوض والنفقات ضروريًا.

نصائح عملية

  • ابدأوا كل تفاوض جدي باتفاقية سرية موقّعة قبل تبادل أي بيانات.
  • انصّوا صراحةً في أي وثيقة أولية على عدم إلزاميتها، وافصلوا البنود الملزمة في قسم مستقل.
  • وثّقوا مراحل التفاوض بمحاضر أو رسائل تلخّص ما اتُّفق عليه وما بقي معلقًا.
  • احتفظوا بسجل للنفقات المرتبطة بالصفقة، فهو أساس أي مطالبة لاحقة بالتعويض.
  • إذا قررتم الانسحاب، بادروا بإبلاغ الطرف الآخر فورًا وبأسباب موضوعية، فالإطالة بعد اتخاذ القرار هي مصدر المسؤولية.
  • لا ترفضوا عرضًا بديلًا اعتمادًا على تفاوض غير مؤكد دون توثيق ذلك، فتفويت الفرصة يحتاج إلى دليل.

إن مرحلة ما قبل التوقيع تستحق العناية القانونية ذاتها التي يستحقها العقد النهائي، فكثير من الخسائر تقع قبل أن يُوقَّع شيء. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة المشورة في إدارة المفاوضات وصياغة خطابات النوايا واتفاقيات السرية والحصرية، ويتولى دعاوى التعويض عن قطع المفاوضات بسوء نية.

هل تحتاج استشارة قانونية؟

فريق يمناك لأعمال المحاماة جاهز لمساعدتك ومتابعة قضيتك بخبرة موثوقة.

حجز الموعد اتصل بنا
خدمات مساندة
التوثيق
التوثيق والوكالات
poa.moj.gov.kw
وزارة العدل
خدمات وزارة العدل
eservices.moj.gov.kw
SYSLAWS
Made in Kuwait ♥
SYSLAWS.COM

جميع الحقوق محفوظة ل يمناك لأعمال المحاماة 2026 يمناك لأعمال المحاماة