حين نتحدث عن السرقة أو النصب أو الإيذاء، فإننا نتحدث عن جرائم بعينها لكل منها نصها الخاص وأركانها المحددة. غير أن ثمة قواعد عامة تسري على هذه الجرائم جميعًا مهما اختلفت، تحدد متى تقوم الجريمة ومتى تكتمل ومن يُسأل عنها وكيف تُقدَّر العقوبة عند التعدد أو التكرار. وهذه القواعد يجمعها ما يُعرف بالنظرية العامة للجريمة، وقد نظّمها قانون الجزاء الكويتي رقم 16 لسنة 1960 في قسمه العام. وفهم هذه القواعد ضروري لكل من يواجه اتهامًا، إذ إن أقوى الدفوع في القضايا الجزائية كثيرًا ما تُبنى عليها لا على تفاصيل الواقعة وحدها.
أركان الجريمة
لا تقوم الجريمة إلا باجتماع ثلاثة أركان، وانتفاء أي منها يعني انتفاء المسؤولية الجزائية:
- الركن الشرعي: وجود نص يجرّم الفعل ويعاقب عليه وقت ارتكابه، تطبيقًا لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. ولا يجوز القياس في التجريم، ولا تسري القوانين الجزائية بأثر رجعي إلا إذا كانت أصلح للمتهم.
- الركن المادي: السلوك الإجرامي والنتيجة وعلاقة السببية بينهما. وقد يكون السلوك إيجابيًا بفعل، أو سلبيًا بامتناع عن واجب قانوني.
- الركن المعنوي: الحالة الذهنية للجاني، ويتخذ صورتين: القصد الجنائي بعنصريه العلم والإرادة في الجرائم العمدية، والخطأ غير العمدي بصوره من إهمال ورعونة وعدم احتراز ومخالفة القوانين في الجرائم غير العمدية.
ويُضاف إلى ذلك انتفاء أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي واستعمال الحق وأداء الواجب، وانتفاء موانع المسؤولية كصغر السن والجنون والإكراه، فوجود أي منها ينفي الجريمة أو المسؤولية عنها.
الشروع في الجريمة
الشروع هو البدء في تنفيذ الجريمة دون إتمامها، وهو من أدق مسائل القسم العام:
- البدء في التنفيذ: يُشترط أن يكون الجاني قد باشر فعلًا من الأفعال المكوّنة للركن المادي أو المتصلة به اتصالًا مباشرًا يؤدي إليه حالًا، ولا يكفي مجرد الأعمال التحضيرية.
- التمييز بين التحضير والتنفيذ: شراء السلاح أو مراقبة المكان عمل تحضيري لا عقاب عليه بذاته، أما تصويب السلاح أو كسر الباب فهو بدء في التنفيذ.
- وقف الأثر لسبب خارج عن الإرادة: يُشترط ألا تتحقق النتيجة لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه، كتدخل الغير أو خطأ في التصويب أو مقاومة المجني عليه.
- العدول الاختياري: إذا كف الجاني عن إتمام الجريمة بمحض إرادته لا لعائق خارجي، فلا عقاب على الشروع، تشجيعًا على العدول. غير أنه يُسأل عما ارتكبه من أفعال تشكّل بذاتها جريمة تامة.
- الجريمة المستحيلة: تثير خلافًا فقهيًا، ويُفرَّق فيها بين الاستحالة المطلقة والنسبية عند تقدير المسؤولية.
- نطاق العقاب: يُعاقب على الشروع في الجنايات، وفي الجنح في الأحوال التي ينص عليها القانون، ولا عقاب على الشروع في المخالفات. وتكون عقوبة الشروع أخف من عقوبة الجريمة التامة.
المساهمة الجنائية
قد ترتكب الجريمة بأكثر من شخص، وحينها يجب تحديد دور كل منهم لأن العقوبة تختلف باختلاف الدور:
- الفاعل الأصلي: من يرتكب الجريمة وحده أو يساهم مباشرة في تنفيذ ركنها المادي مع غيره، أو من يستعمل غيره كأداة لا مسؤولية عليه كصغير أو مجنون.
- الشريك بالتحريض: من يخلق في ذهن الفاعل فكرة الجريمة ويدفعه إلى تنفيذها، ويُسأل ولو لم يشارك في التنفيذ.
- الشريك بالاتفاق: من يتفق مع غيره على ارتكاب الجريمة فتقع بناءً على هذا الاتفاق.
- الشريك بالمساعدة: من يقدّم للفاعل وسيلة أو معونة تسهّل ارتكاب الجريمة مع علمه بالغرض منها.
- استعارة التجريم: ترتبط مسؤولية الشريك بالفعل الأصلي، فإذا انتفت الجريمة عن الفاعل لسبب موضوعي كانتفاء الركن المادي، انتفت عن الشريك تبعًا. أما الأعذار الشخصية للفاعل فلا يستفيد منها الشريك.
- تجاوز قصد الشريك: إذا ارتكب الفاعل جريمة أشد مما اتفق عليه، سُئل الشريك عن الجريمة المتفق عليها ما لم يكن ما وقع نتيجة محتملة لما اتفقا عليه.
الظروف المشددة والمخففة
لا تكون العقوبة واحدة في كل الأحوال، بل تتأثر بظروف تحيط بالجريمة أو بالجاني:
- الظروف المادية: تتصل بالفعل ذاته، كاستعمال السلاح أو التعدد أو وقوع الجريمة ليلًا، وتسري في حق جميع المساهمين متى علموا بها.
- الظروف الشخصية: تتصل بشخص الجاني، كصفة الموظف العام أو صلة القرابة، ولا تسري إلا في حق من توافرت فيه.
- الأعذار القانونية: يحددها القانون على سبيل الحصر، وقد تكون معفية من العقاب أو مخففة له.
- الظروف القضائية المخففة: للمحكمة سلطة تقديرية في تخفيف العقوبة إذا رأت في ظروف الجريمة أو حال المتهم ما يستدعي الرأفة، مع بيان أسباب ذلك في حكمها.
العود وتعدد الجرائم
يتناول القانون حالتين تتعلقان بتكرار الإجرام أو تعدده، ولكل منهما قواعد مختلفة:
- العود: أن يرتكب الشخص جريمة جديدة بعد الحكم عليه نهائيًا في جريمة سابقة، ويُعدّ ظرفًا مشددًا يجيز تشديد العقوبة، لدلالته على عدم اتعاظ الجاني.
- التعدد المادي: أن ترتكب عدة جرائم بأفعال متعددة. فإن كانت مستقلة تمامًا، قُضي بعقوبة عن كل جريمة. وإن ارتبطت ارتباطًا لا يقبل التجزئة لوحدة الغرض، اعتُبرت كلها جريمة واحدة وحُكم بعقوبة الجريمة الأشد.
- التعدد المعنوي: أن يشكّل فعل واحد عدة جرائم، كإطلاق عيار ناري يصيب شخصين، فتُوقَّع عقوبة الجريمة الأشد وحدها.
- قاعدة العقوبة الأشد: غايتها منع تجميع العقوبات على نحو يجاوز مبدأ التناسب، وهي من أهم ما يجب على الدفاع التمسك به عند تعدد التهم.
- وحدة الواقعة: لا يجوز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل ذاته، وهو مبدأ مستقر يتصل بالنظام العام.
الأهمية العملية للدفاع
تُبنى على هذه القواعد دفوع جوهرية كثيرًا ما تكون أنجع من مناقشة الوقائع:
- الدفع بانتفاء القصد الجنائي في الجرائم العمدية، بإبراز ما يدل على انتفاء العلم أو الإرادة.
- الدفع بأن ما وقع لا يعدو أعمالًا تحضيرية لا عقاب عليها، لا بدءًا في التنفيذ.
- الدفع بالعدول الاختياري متى توافرت شواهده.
- الدفع بتكييف دور المتهم شريكًا لا فاعلًا أصليًا، لما لذلك من أثر في العقوبة.
- الدفع بالارتباط بين التهم لطلب توقيع عقوبة الجريمة الأشد وحدها.
- الدفع بانتفاء ركن من أركان الجريمة أو بتوافر سبب إباحة أو مانع مسؤولية.
إن إتقان القسم العام من قانون الجزاء هو ما يميّز الدفاع الجزائي الرصين، فكثير من أحكام البراءة أو تخفيف العقوبة تُبنى على قاعدة عامة لا على إنكار الواقعة. ويتولى فريق يمناك لأعمال المحاماة إعداد الدفوع الشكلية والموضوعية في القضايا الجزائية والمرافعة أمام المحاكم بجميع درجاتها، مع مراعاة السرية التامة لظروف كل موكّل.