لم يعد المصعد وسيلة كماليّة في المباني الكويتية، بل صار جزءاً أساسياً من الاستخدام اليومي في العمارات السكنية والأبراج الإدارية والمجمعات التجارية والمستشفيات. ومع هذا الانتشار تظهر حوادث السقوط والاحتجاز والإصابات بأبواب المصعد، لتطرح سؤالاً عملياً: من يتحمّل المسؤولية ومن يدفع التعويض؟ هذا المقال يعرض القواعد العامة التي تحكم هذه الحوادث في القانون الكويتي، وما ينبغي على المتضرر فعله لحماية حقه.
الأسباب الشائعة لحوادث المصاعد والاحتجاز
قبل الحديث عن المسؤولية، من المفيد فهم الأسباب التي تتكرر في هذه الحوادث، لأنها هي التي ترشد الخبير الفني والمحكمة إلى الجهة المقصّرة:
- إهمال الصيانة الدورية أو الاقتصار على صيانة شكلية دون فحص حقيقي للأجزاء الحيوية.
- تآكل الحبال (الكوابل) وأنظمة الفرامل وعدم استبدالها في الوقت المناسب.
- خلل في حساسات الأبواب الذي يؤدي إلى انغلاقها على الأشخاص أو فتحها والكابينة ليست في مستوى الطابق.
- انقطاع التيار الكهربائي وغياب نظام إنزال أو إنقاذ يعمل عند الانقطاع.
- التحميل الزائد وتجاوز الحمولة المقررة، خصوصاً في أعمال النقل والأثاث.
- تعديلات غير مرخّصة على لوحة التحكم أو الأجزاء الميكانيكية، أو استخدام قطع غيار غير مطابقة.
موقف مالك المبنى: حراسة البناء والأشياء
يستقر الفكر القانوني على أن من يتولى السلطة الفعلية على شيء ويستفيد منه يتحمّل تبعة ما ينشأ عنه من أضرار. والمصعد بطبيعته آلة تحتاج عناية خاصة، ومالك المبنى هو في الأصل المتولي لحراسته وتشغيله، ولذلك تُفترض مسؤوليته عمّا يصيب المستخدمين من ضرر بسببه، سواء نشأ الضرر عن تهدّم أو خلل في التركيب أو عن سوء في الصيانة والتشغيل.
وأهمية هذه القاعدة عملياً أن المتضرر لا يُطلب منه في الغالب إثبات خطأ محدد داخل غرفة المكائن أو في لوحة التحكم، وهو أمر يستحيل عليه فنياً. فيكفيه إثبات أن الضرر وقع بسبب المصعد، ثم يقع على المسؤول عن الحراسة أن يدفع عن نفسه بإثبات أن الحادث نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كقوة قاهرة أو خطأ المتضرر نفسه أو فعل الغير. وهذا التوزيع لعبء الإثبات هو أهم ما يجب على المتضرر أن يعرفه.
مسؤولية شركة الصيانة وتوزيع المسؤولية
مسؤولية شركة الصيانة تقوم على مستويين. الأول عقدي في مواجهة المالك أو اتحاد الملاك، إذ التزمت بموجب العقد بزيارات دورية وفحص وإصلاح وتقديم تقارير، فإذا ثبت إخلالها بهذه الالتزامات كانت مسؤولة عن نتائج الإخلال. والثاني تقصيري في مواجهة المضرور، لأن المتضرر ليس طرفاً في العقد، ومع ذلك له أن يطالب من ثبت أن خطأه الفني تسبب في إصابته.
وفي كثير من الوقائع تتوزع المسؤولية بين أكثر من جهة: المالك بوصفه حارساً ومتقاعساً عن المطالبة بالصيانة أو مؤجّلاً لها لأسباب تتصل بالتكلفة، وشركة الصيانة عن قصورها الفني، وشركة التركيب عن عيب في التنفيذ أو مخالفة مواصفات الشركة الصانعة، والمورّد أو الوكيل عن عيب في المنتج أو في قطع الغيار. وللمحكمة أن توزّع المسؤولية بينهم بنسب تقديرية وفقاً لما يثبت من مساهمة كل منهم، مع حق من دفع التعويض في الرجوع على المتسبب الفعلي. ولمزيد من التفصيل يمكن مراجعة ما نشرناه عن عقود الصيانة والتشغيل وعن مسؤولية المنتج والمورّد عن عيوب المنتجات، فهي قواعد تُطبّق هنا دون حاجة إلى تكرارها.
اتحاد الملاك ومدير المبنى والتراخيص والفحص الدوري
في المباني المقسّمة إلى وحدات متعددة الملكية، يكون المصعد من الأجزاء المشتركة، وتقع إدارته ورعايته على اتحاد الملاك أو من يُنتدب لإدارة المبنى. وامتناع الاتحاد عن تدبير الصيانة، أو تقصير المدير في متابعة العقد والإبلاغ عن الأعطال، قد يرتب مسؤوليته الخاصة، ولا يصح الاحتجاج بتخلّف بعض الملاك عن سداد نصيبهم في مواجهة مستخدم أُصيب.
وتشغيل المصعد مرتبط كذلك بمتطلبات إدارية: ترخيص التركيب والتشغيل، والفحص الدوري، وشهادة السلامة الصادرة من الجهات المختصة، مع لصق ما يفيد سارية الفحص داخل الكابينة. ولأن هذه المتطلبات الفنية ومدد تجديدها تتغير بقرارات الجهات المعنية، فإننا ننصح بالتحقق من التفاصيل والمواعيد من الجهة الإدارية المختصة مباشرة، وعدم الاعتماد على معلومة متداولة. والثابت قانوناً أن تشغيل مصعد بغير شهادة سارية يُعد قرينة قوية على الإهمال عند وقوع الحادث.
حالات الاحتجاز داخل المصعد
الاحتجاز لا يقل خطورة عن السقوط، خصوصاً مع الأطفال وكبار السن ومرضى القلب وفي حالات ضعف التهوية. ويلزم من يتولى المبنى أن يوفّر وسيلة اتصال عاملة وإنقاذاً فورياً، والاستعانة بـالإدارة العامة للإطفاء عند الحاجة، مع الامتناع عن محاولات الإخراج العشوائية التي قد تضاعف الخطر. وللمحتجز أن يطالب بالتعويض عمّا أصابه من ضرر بدني وعمّا لحقه من فزع وأذى نفسي، إذ لا يشترط في الضرر أن يكون جسمانياً وحده.
ما يجب على المتضرر فعله والمطالبة بالتعويض
سرعة التوثيق هي ما يحدد مصير الدعوى. ونوصي بالآتي:
- تحرير محضر بالواقعة وإبلاغ الجهات المختصة فوراً وعدم الاكتفاء بتفاهم شفهي مع المالك.
- تصوير المصعد وحالة الأبواب والكابينة وشهادة الفحص الملصقة، قبل أن تُجرى إصلاحات تغيّر حالة المكان.
- تدوين بيانات الشهود والعاملين في المبنى.
- الحصول على التقارير الطبية وتقرير نسبة العجز إن وُجد، وحفظ فواتير العلاج.
- السعي إلى المحافظة على سجل الصيانة وعقد الصيانة وتقارير الزيارات، فهي في الغالب المفتاح الحقيقي لإثبات الإهمال.
وتشمل المطالبة الأضرار المادية من علاج ونقل وتلف ممتلكات، والأضرار المعنوية عن الألم والأثر النفسي، وما فات المتضرر من كسب بسبب التوقف عن العمل، وتكاليف العلاج المستقبلي إذا كانت الإصابة مستمرة الأثر. وتستعين المحكمة عادة بـخبير فني لبيان سبب العطل ونسبة مساهمة كل جهة، ولذلك يكون حضور المحامي في مرحلة الخبرة حاسماً.
المسؤولية الجزائية والتأمين
قد ترتب الواقعة إلى جانب التعويض مسؤولية جزائية إذا أدى الإهمال إلى إصابة أو وفاة، أو إذا شُغّل المصعد على خلاف شروط السلامة والترخيص، وتقدير ذلك للنيابة العامة والمحكمة الجزائية وفقاً لما يثبت من وقائع. ومن الناحية العملية كثيراً ما يكون هناك تأمين على المبنى أو تأمين مسؤولية لشركة الصيانة، فيُخطر المؤمّن مبكراً وتُراجع حدود التغطية والاستثناءات، لأن وجود التأمين لا يُعفي المسؤول بل ينظّم من يدفع فعلاً.
قائمة وقاية للمالك والمدير وشركة الصيانة
- عقد صيانة مكتوب واضح المدة والزيارات والالتزامات وتقارير موثّقة لكل زيارة.
- سجل صيانة محفوظ، وأرشفة تقارير الفحص وشهادات السلامة.
- مواجهة أي عطل بالإيقاف الفوري ووضع لافتة تحذير، لا بالتشغيل المؤقت.
- هاتف طوارئ عامل وإضاءة احتياطية داخل الكابينة.
- الالتزام بالحمولة المقررة وقطع الغيار الأصلية، ومنع أي تعديل غير مرخّص.
- تدريب حرّاس المبنى على إجراءات الإنقاذ الصحيحة والاستعانة بالإطفاء.
خاتمة
حوادث المصاعد من أكثر الحوادث التي يُظلم فيها المتضرر بسبب اعتقاده أنه مطالب بإثبات خطأ فني لا يستطيع الوصول إليه، والحقيقة أن القواعد العامة للمسؤولية عن حراسة الأشياء والبناء تقف في الغالب إلى جانبه، بشرط التوثيق السليم وسرعة التحرك.
هذا المقال معلومات عامة ولا يُغني عن الاستشارة القانونية في الواقعة المحددة. وإذا كنت متضرراً من حادث مصعد أو احتجاز، أو كنت مالكاً أو مديراً لمبنى أو شركة صيانة وتواجه مطالبة، يسعد فريق يمناك لأعمال المحاماة بدراسة ملفك وبيان مركزك القانوني وخياراتك في التسوية أو التقاضي.