يخرج المريض من العيادة وفي يده وصفة كتبها طبيب بعد فحص وتشخيص، ثم يتجه إلى نافذة الصيدلية واثقاً أن ما سيتسلمه هو بالضبط ما قرره الطبيب. هذه الثقة هي أساس العلاقة بين المريض والصيدلي، فالمريض في الغالب لا يستطيع أن يميز بين دواءين متشابهين في الاسم أو في شكل العبوة، ولا يعرف الجرعة الصحيحة لكل تركيز، ولا يملك المعرفة التي تكشف له تداخلاً خطيراً بين دواء جديد وآخر يتناوله منذ سنوات. لذلك فإن لحظة الصرف ليست إجراءً بيعياً عادياً، بل هي حلقة أخيرة في سلسلة العلاج، وأي خلل فيها قد يهدم ما بناه التشخيص الصحيح.
والأخطاء في هذه الحلقة ليست نادرة كما يظن البعض: دواء يُصرف بدلاً من آخر لتشابه الاسم التجاري، أو تركيز أعلى من الموصوف، أو تعليمات استعمال مكتوبة على الملصق بصورة خاطئة، أو دواء انتهت صلاحيته وبقي على الرف، أو دواء لا يُصرف إلا بوصفة طبية يُسلَّم لمن طلبه دون وصفة، أو صمت تام عن تحذير كان ينبغي أن يُقال للمريض. وقد تمر بعض هذه الأخطاء دون أثر، لكن بعضها يترك إصابات جسيمة، كهبوط حاد في السكر، أو نزيف بسبب جرعة زائدة من مميع الدم، أو تحسس شديد لدى مريض سبق أن سُجّلت حساسيته في ملفه.
هذا المقال مخصص لزاوية محددة من زوايا المسؤولية الطبية: خطأ الصرف لا خطأ التشخيص أو الجراحة. سنجيب عن سؤال المريض العملي: من المسؤول عن الضرر، الصيدلي وحده أم الصيدلية أم المستشفى أم الطبيب الذي كتب الوصفة؟ وكيف يُثبت الخطأ؟ وما الخطوات التي ينبغي القيام بها فوراً؟ وما الفرق بين الشكوى الإدارية والدعوى المدنية والشكوى الجزائية؟ أما القواعد العامة للمسؤولية الطبية فقد تناولناها في مقال المسؤولية الطبية في القانون الكويتي: الأخطاء الطبية والتعويضات، ونحيل إليه لمن أراد الصورة الكاملة.
الإجابة السريعة
إذا صرف لك الصيدلي دواءً غير الموصوف، أو جرعة خاطئة، أو دواءً منتهي الصلاحية، أو دواءً يحتاج وصفة دون وصفة، أو أغفل تحذيراً جوهرياً، ثم لحقك ضرر من ذلك، فلك حق المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والأدبي. والمسؤولية لا تقف عند الصيدلي شخصياً، بل تمتد في الغالب إلى الجهة التي يعمل لديها، سواء كانت صيدلية خاصة أو مستشفى خاصاً أو جهة حكومية، بوصفها متبوعاً يُسأل عن خطأ تابعه أثناء العمل. فإن كان الخطأ في الوصفة نفسها فالطبيب هو المسؤول الأول، وقد يشاركه الصيدلي إذا كان الخطأ ظاهراً كان ينبغي أن ينتبه إليه.
وعملياً: احتفظ بالعبوة والملصق والفاتورة والوصفة، واطلب ملفك الطبي، ووثّق الأعراض بتقارير طبية، ثم اختر المسار المناسب: شكوى لدى الجهة الصحية المختصة، ودعوى تعويض مدنية، وشكوى جزائية إذا ترتبت إصابة أو وفاة. ويبقى إثبات العلاقة بين الخطأ والضرر هو العقدة الحقيقية في هذه القضايا، ولذلك تؤدي الخبرة الطبية دوراً حاسماً فيها.
الإطار التشريعي
لا يوجد في الكويت نص واحد يجمع أحكام خطأ الصيدلي في الصرف، بل تتوزع القواعد بين عدة تشريعات، ولكل منها دور في بناء المطالبة.
- القانون المدني رقم 67/1980: هو الأساس العام للتعويض. ففيه قواعد المسؤولية عن العمل غير المشروع التي تُلزم كل من أحدث بخطئه ضرراً للغير بتعويضه، وفيه قواعد مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، وأحكام المسؤولية العقدية حين تكون بين المريض والصيدلية علاقة تعاقدية، وقواعد تقدير التعويض بما يشمل الضرر الأدبي. وقد شرحنا قواعد المسؤولية التقصيرية في مقال المسؤولية التقصيرية في القانون المدني الكويتي.
- قانون الجزاء رقم 16/1960: يجرّم الإصابة الخطأ والقتل الخطأ الناتجين عن الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتراز أو مخالفة اللوائح. وخطأ الصرف الذي يُفضي إلى إصابة المريض قد يندرج تحت هذا الوصف إذا توافرت أركانه.
- قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17/1960: ينظم تقديم الشكوى والتحقيق، ويتيح للمضرور أن يدعي مدنياً أمام المحكمة الجزائية بطلب التعويض إلى جانب الدعوى الجزائية.
- قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية رقم 39/1980: يحكم وسائل إثبات الخطأ والضرر، ومنها المحررات والقرائن والخبرة، وندب الخبراء.
- قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 38/1980: ينظم رفع دعوى التعويض والاختصاص والطعن في الأحكام.
- التشريعات الصحية الخاصة: وأهمها القانون المنظم لمزاولة مهنة الصيدلة وتداول الأدوية، والقانون المنظم لمزاولة مهنة الطب والمهن المساعدة وحقوق المرضى وسلامة المنشآت الصحية، والقرارات الوزارية التي تحدد الأدوية التي لا تُصرف إلا بوصفة، وضوابط حفظ الأدوية وتداولها. هذه التشريعات تحدد واجبات الصيدلي المهنية، ومخالفتها تُعد قرينة قوية على الخطأ في الدعوى المدنية. وللاطلاع على الإطار التنظيمي العام راجع مقال تنظيم المهن الصحية في الكويت.
- قانون حماية المستهلك رقم 39/2014: يثور التساؤل حول انطباقه على شراء الدواء من صيدلية خاصة بوصفه سلعة تُباع للمستهلك، خاصة في حالة الدواء المنتهي الصلاحية. وهذه مسألة تتوقف على طبيعة المعاملة ونطاق القانون، وتُقدّر في كل حالة على حدة، ولا تغني عن قواعد المسؤولية المدنية العامة.
ويختلف الوصف القانوني للعلاقة بحسب مكان الصرف. ففي الصيدلية الخاصة يشتري المريض الدواء بثمن، فتنشأ علاقة تعاقدية مع الصيدلية إلى جانب إمكان الرجوع بالمسؤولية التقصيرية. أما في صيدلية مستشفى حكومي فالمريض يتلقى خدمة عامة من مرفق صحي، ويُسأل المرفق عن خطأ موظفيه وفق القواعد العامة. وتحديد التكييف الصحيح والجهة المختصة بنظر الدعوى مسألة فنية ينبغي أن تُحسم قبل رفعها.
الأحكام الموضوعية
أولاً: صور خطأ الصرف
صرف دواء غير الموصوف: وهو أكثر الصور شيوعاً، ويقع غالباً بسبب تشابه الأسماء التجارية أو التعبئة، أو سوء قراءة خط الطبيب، أو الخلط بين وصفات مريضين. والقاعدة أن الصيدلي ملزم بصرف ما هو مدوَّن في الوصفة، فإن تعذر عليه قراءتها أو ثار لديه شك فعليه أن يستوضح من الطبيب لا أن يجتهد.
الجرعة أو التركيز الخاطئ: كأن يُصرف التركيز الأعلى من الدواء نفسه، أو تُكتب على الملصق تعليمات استعمال تخالف الوصفة، كأن يُكتب ثلاث مرات يومياً بدلاً من مرة واحدة. والخطأ في التعليمات المكتوبة على العبوة خطأ صرف مستقل حتى لو كان الدواء نفسه صحيحاً.
الدواء المنتهي الصلاحية أو التالف: الصيدلية ملزمة بمراقبة تواريخ الصلاحية وبحفظ الأدوية في ظروف التخزين المطلوبة، كالتبريد لبعض الأدوية الحيوية والأنسولين. فإن سُلّم دواء منتهي الصلاحية أو فسد لسوء التخزين فهذا إخلال بالتزام أساسي.
صرف دواء يحتاج وصفة دون وصفة: بعض الأدوية لا يجوز صرفها إلا بوصفة طبية، وبعضها يخضع لرقابة مشددة كالأدوية المؤثرة على الحالة النفسية. وصرفها دون وصفة مخالفة تنظيمية بذاتها، فإن ترتب عليها ضرر، كتناول مضاد حيوي لم يكن مناسباً أو دواء تعارض مع حالة المريض، أمكن مساءلة الصيدلي عن الضرر. وقد يُحتج بأن المريض هو من طلب الدواء بإلحاح، وهنا يثور بحث خطأ المضرور المشترك، دون أن يعفي ذلك الصيدلي من التزامه المهني.
عدم التنبيه على التداخلات والتحذيرات: من واجبات الصيدلي إرشاد المريض إلى طريقة الاستعمال والتحذيرات الأساسية، كعدم القيادة بعد دواء يسبب النعاس، أو تجنب أطعمة أو أدوية معينة. وإذا كان المريض قد أفصح عن دواء آخر يتناوله، أو كانت الحساسية مسجلة في ملفه الإلكتروني المتاح للصيدلية، فإن إغفال التداخل الخطير يُعد خطأً. أما مدى التزام الصيدلي بالبحث عن معلومات لم يُفصح عنها المريض ولم تكن متاحة له، فمسألة تقديرية تتوقف على ظروف كل حالة.
ثانياً: طبيعة التزام الصيدلي
الأصل في الالتزامات الطبية أنها التزام ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة، فالطبيب لا يضمن الشفاء. غير أن عمل الصيدلي في الصرف له طبيعة خاصة: فمطابقة الدواء المصروف للوصفة، وسلامته من التلف، وصحة الجرعة المدونة، أمور لا يدخلها احتمال علمي كالذي يدخل العلاج. ولذلك يذهب اتجاه في الفقه إلى أن التزام الصيدلي بتسليم الدواء الصحيح السليم أقرب إلى الالتزام بتحقيق نتيجة، بحيث يكفي المريض أن يثبت أن ما تسلمه يخالف الوصفة أو كان تالفاً. بينما يرى اتجاه آخر إبقاء القاعدة العامة وهي بذل العناية، مع التشدد في معيار العناية المطلوبة من الصيدلي. وهذه مسألة خلافية لا نحسمها هنا، فتقديرها للمحكمة بحسب وقائع الدعوى، لكن الفرق العملي بين الاتجاهين يظهر في عبء الإثبات، ويحسن أن يُبنى ملف الدعوى بما يصمد أمام أي من التكييفين.
ثالثاً: من يُسأل عن الضرر؟
الصيدلي: يُسأل شخصياً عن خطئه المهني، مدنياً بالتعويض، وقد يُسأل جزائياً إذا ترتبت إصابة أو وفاة، وتأديبياً أمام الجهات المختصة بالمهنة. ولا يعفيه أن يكون موظفاً لدى غيره.
الصيدلية أو المستشفى: يُسأل صاحب الصيدلية أو المستشفى بوصفه متبوعاً عن الضرر الذي يُحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى وقع منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها. وهذا الطريق مهم عملياً لأن المتبوع عادة أقدر على الوفاء بالتعويض، ولأن المضرور لا يحتاج إلى إثبات خطأ شخصي في جانب الإدارة. وقد شرحنا شروط هذه المسؤولية وحق الرجوع في مقال مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه في القانون الكويتي. بل قد تُسأل الصيدلية عن خطأ تنظيمي خاص بها، كضغط العمل بعدد غير كافٍ من الصيادلة، أو غياب نظام لمراجعة الصرف، أو سوء تخزين الأدوية. وفي الجهات الحكومية تُسأل الجهة الصحية عن خطأ العاملين في صيدلياتها.
الطبيب: إذا كان الخطأ في الوصفة نفسها، كدواء لا يناسب حالة المريض، أو جرعة تتجاوز المعتاد، أو دواء يتعارض مع حساسية مسجلة، فالطبيب هو صاحب الخطأ الأصلي. لكن الصيدلي ليس آلة تنفيذ، فإذا كان الخطأ في الوصفة ظاهراً لصيدلي متوسط العناية، كجرعة تتجاوز الحدود المتعارف عليها بشكل واضح، فإن صرفها دون الرجوع إلى الطبيب قد يُعد خطأً مشتركاً.
المصنّع أو المورّد: إذا كان العيب في الدواء نفسه منذ تصنيعه، أو في نشرته الداخلية، فقد تنتقل المسؤولية أو تمتد إلى المنتج أو الوكيل، وهذا باب مستقل له قواعده.
رابعاً: كيف يتوزع الخطأ بين أكثر من مسؤول؟
إذا تعدد المسؤولون عن ضرر واحد، كطبيب أخطأ في الوصفة وصيدلي لم ينتبه لخطأ ظاهر، فالقاعدة العامة في القانون المدني أنهم يلتزمون بالتعويض في مواجهة المضرور، ثم يتوزع العبء بينهم بقدر نصيب كل منهم في الخطأ. وهذا يعني أن المريض يستطيع اختصامهم جميعاً في دعوى واحدة، وتتولى المحكمة بعد ذلك بمعونة الخبرة الطبية تحديد نسبة خطأ كل منهم. كما قد يُنظر في خطأ المريض نفسه، كأن يكون قد تناول الدواء خلافاً للتعليمات الصحيحة، أو أخفى معلومة جوهرية، فيُنقص التعويض بقدر مساهمته.
خامساً: الضرر والتعويض
لا يكفي ثبوت الخطأ، بل يجب أن يثبت الضرر وعلاقة السببية بينهما. فإذا صُرف دواء خاطئ ولم يتناوله المريض، أو تناوله دون أثر، فلا تعويض عن ضرر جسدي، وإن أمكن بحث الضرر الأدبي في حدود ضيقة. أما إذا ترتب الضرر فيشمل التعويض:
- الضرر المادي: نفقات العلاج والتنويم والأدوية البديلة، والكسب الفائت بسبب الانقطاع عن العمل، ونقص القدرة على الكسب إذا خلّف الخطأ عجزاً.
- الضرر الأدبي: الألم الجسدي والنفسي، والقلق، والمساس بسلامة الجسد. وقد فصلنا ضوابطه في مقال التعويض عن الضرر المعنوي في القانون الكويتي.
- في حالة الوفاة: التعويض الموروث وتعويض الأقارب عن الضرر الذي أصابهم شخصياً، وفقاً لقواعد القانون المدني والأحكام المنظمة للدية حيث تنطبق.
ويتولى القاضي تقدير التعويض بحسب جسامة الضرر وظروف المضرور، ولا يُقدَّر بمبلغ ثابت سلفاً.
سادساً: السجلات الإلكترونية وأثرها في الإثبات
أصبحت الوصفة في كثير من المنشآت الصحية في الكويت إلكترونية، يكتبها الطبيب في النظام فتظهر للصيدلي على الشاشة، ويُسجَّل الصرف باسم من قام به وبتاريخه. وهذا التطور يخدم المريض في الإثبات، لأن السجل يبيّن ما كتبه الطبيب بالضبط، وما صرفه الصيدلي، ومن الذي اعتمد الصرف. فإذا تطابقت الوصفة الإلكترونية مع الدواء الصحيح وخالفها الملصق، ثبت أن الخطأ وقع عند الصرف. وإذا كان الخطأ في الوصفة الإلكترونية نفسها، ظهر ذلك في السجل أيضاً. ولذلك يحسن أن يتضمن طلب الملف الطبي صراحة نسخة من سجل الصرف ومن الوصفة كما ظهرت في النظام، وأن يُطلب من المحكمة عند الاقتضاء إلزام الجهة بتقديمه إذا امتنعت عن تسليمه.
كما أن بعض الأنظمة الإلكترونية تتضمن تنبيهات آلية عند وجود تداخل دوائي أو حساسية مسجلة. فإذا ثبت أن النظام أطلق تنبيهاً وتجاوزه الصيدلي دون مبرر، كان ذلك قرينة قوية على الخطأ. وإذا لم يكن النظام مزوداً بهذه التنبيهات أصلاً، فقد يُبحث ما إذا كان ذلك قصوراً تنظيمياً في جانب المنشأة. وهذه كلها مسائل فنية يُحسن أن تُطرح على الخبير في صورة أسئلة محددة، لا أن تُترك لتقديره العام.
سابعاً: حدود مسؤولية الصيدلي عن اختيار البديل
يحدث كثيراً أن يصرف الصيدلي دواءً بديلاً يحمل المادة الفعالة نفسها باسم تجاري مختلف، لعدم توافر الصنف الموصوف أو لاعتبارات أخرى. والأصل أن صرف البديل المماثل في المادة الفعالة والتركيز والشكل الدوائي لا يُعد خطأً بذاته متى كان مسموحاً به وفق الضوابط المنظمة. لكن الخطأ يقع إذا اختلف البديل في التركيز أو في طريقة الإطلاق، كأن يُصرف دواء سريع المفعول بدلاً من ممتد المفعول، أو إذا لم يُنبَّه المريض إلى أن ما تسلمه يختلف شكلاً عما اعتاده، فيتناول الدواءين معاً ظناً منه أنهما مختلفان. وتقدير ذلك يتوقف على الأصول المهنية المعمول بها وعلى ما قيل للمريض فعلاً عند الصرف.
مبادئ محكمة التمييز
استقر قضاء محكمة التمييز على أن مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه تقوم متى وقع الخطأ من التابع أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، وأن هذه المسؤولية مقررة لمصلحة المضرور، فلا يلزمه أن يثبت خطأً شخصياً في جانب المتبوع.
واستقر قضاؤها كذلك على أن تقدير قيام الخطأ الموجب للمسؤولية وتوافر علاقة السببية بينه وبين الضرر من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصلها الثابت في الأوراق.
ومن المبادئ المستقرة أن تقرير الخبير عنصر من عناصر الإثبات يخضع لتقدير المحكمة، فلها أن تأخذ به كله أو بعضه أو أن تطرحه، بشرط أن تبيّن أسباب ذلك، وأن عليها أن ترد على اعتراضات الخصوم الجوهرية على التقرير. وقد بيّنا كيف يُعترض على تقرير الخبير في مقال الخبرة الطبية أمام المحكمة الكويتية.
كما استقر قضاء التمييز على أن تقدير التعويض الجابر للضرر بنوعيه المادي والأدبي من سلطة محكمة الموضوع، ما دام القانون لم يوجب اتباع معايير معينة، بشرط أن تبيّن عناصر الضرر التي قضت من أجلها بالتعويض.
تنويه منهجي: المبادئ السابقة مصاغة بعبارات عامة تعكس الاتجاه المستقر في القضاء الكويتي بشأن المسؤولية المدنية والخبرة، وليست نقلاً حرفياً لحكم بعينه، ولم نذكر أرقام طعون. وتطبيقها على خطأ الصرف تحديداً يتوقف على وقائع كل دعوى، ولذلك يجب الرجوع إلى الأحكام الحديثة ذات الصلة عند إعداد الدعوى.
الإجراءات العملية والمستندات
فوراً بعد اكتشاف الخطأ
- أوقف تناول الدواء واطلب الرعاية الطبية: سلامتك أولاً. توجه إلى الطوارئ أو إلى طبيبك وأبلغه بما تناولته، ودع الطبيب يقرر.
- احتفظ بالعبوة كما هي: لا ترمِ العبوة ولا الشريط ولا الأقراص المتبقية، ولا تُزل الملصق. فالملصق الذي يحمل اسم المريض واسم الدواء والجرعة وتاريخ الصرف هو أقوى دليل في هذه القضايا.
- صوّر كل شيء: العبوة من جميع الجهات، والملصق، ورقم التشغيلة وتاريخ الصلاحية، والوصفة، والفاتورة. واحفظ الصور في أكثر من مكان.
- لا تُسلّم الأصل لأحد: قد تطلب الصيدلية استرجاع الدواء بحجة الاستبدال. يمكنك أخذ الدواء الصحيح، لكن احتفظ بالعبوة الخاطئة، أو اطلب محضراً مكتوباً بالتسليم إن اضطررت.
- اطلب الملف الطبي: بما فيه الوصفة الإلكترونية وسجل الصرف وتقارير الطوارئ. وإن رُفض طلبك فراجع مقال رفض المستشفى تسليم الملف الطبي.
- دوّن الوقائع: اكتب بتاريخه ما حدث: متى صرفت الدواء، ومن صرفه إن عرفته، وما قيل لك، ومتى بدأت الأعراض، ومن رأى ذلك من الشهود.
- احتفظ بكل الفواتير اللاحقة: فواتير العلاج والفحوص والأدوية، وشهادات الإجازة المرضية، فهي أساس التعويض المادي.
المستندات الأساسية
- الوصفة الطبية الأصلية أو نسختها الإلكترونية.
- العبوة بملصقها والأقراص المتبقية.
- فاتورة الشراء أو إيصال الصرف.
- التقارير الطبية التي توثق الأعراض والعلاج وارتباطها بالدواء.
- الملف الطبي وسجل الحساسية والأدوية المزمنة.
- المراسلات مع الصيدلية أو المستشفى وأي اعتراف مكتوب بالخطأ.
- ما يثبت الدخل لاحتساب الكسب الفائت.
المسارات المتاحة
الشكوى الإدارية: تقديم شكوى لدى الجهة الصحية المختصة، كإدارة الشكاوى في المستشفى أو الجهات الرقابية في وزارة الصحة المختصة بالصيدلة والتراخيص. هذا المسار يهدف إلى المساءلة المهنية والتأديبية والرقابية، وقد ينتهي إلى تقرير فني يمكن الاستفادة منه لاحقاً، لكنه لا يمنح المريض تعويضاً بذاته.
الدعوى المدنية: دعوى تعويض أمام المحكمة المختصة ضد الصيدلي والصيدلية أو المستشفى، والطبيب عند الاقتضاء، يُطلب فيها غالباً ندب خبير طبي أو صيدلاني لبيان الخطأ والسببية ونسبة العجز إن وجد.
الشق الجزائي: إذا ترتبت على الخطأ إصابة أو وفاة، يمكن تقديم شكوى إلى المخفر أو جهة التحقيق المختصة عن جريمة الإصابة الخطأ أو القتل الخطأ، مع إمكان الادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية. وثبوت الخطأ بحكم جزائي نهائي يكون له أثر في الدعوى المدنية.
ويُنصح بمراجعة مسألة مواعيد سقوط الحق في المطالبة مبكراً، لأن تأخير التحرك قد يضيّع الحق أو يُضعف الدليل.
حالات افتراضية
الحالة الأولى: تشابه الأسماء
وصف الطبيب لمريض سكري دواءً للضغط، فصرف له الصيدلي في صيدلية خاصة دواءً لخفض السكر يحمل اسماً تجارياً مشابهاً. تناول المريض الدواء فأصيب بهبوط حاد في السكر نُقل على أثره إلى الطوارئ. هنا الوصفة صحيحة، والملصق يحمل اسم الدواء الخاطئ، والتقرير الطبي يربط الهبوط بالدواء. الخطأ ثابت في جانب الصيدلي، وصاحب الصيدلية يُسأل بوصفه متبوعاً. ويطالب المريض بنفقات العلاج والكسب الفائت والضرر الأدبي، وقد يقدم شكوى جزائية عن الإصابة الخطأ.
الحالة الثانية: خطأ في الوصفة لم ينتبه له الصيدلي
كتب طبيب في مستشفى خاص لطفل جرعة دواء محسوبة لبالغ، وصرفها الصيدلي في صيدلية المستشفى دون مراجعة، فأصيب الطفل بمضاعفات. الخطأ الأصلي للطبيب، لكن الخبرة قد تنتهي إلى أن تجاوز الجرعة كان ظاهراً لأي صيدلي يراجع عمر المريض المدون في الوصفة. فيُسأل الطبيب والصيدلي، ويُسأل المستشفى عن كليهما بوصفه متبوعاً، ويتوزع الخطأ بينهم بحسب ما تقدّره المحكمة. ولمزيد من التفاصيل حول علاج القاصرين راجع علاج القاصر في الطوارئ دون موافقة وليّه.
الحالة الثالثة: دواء منتهي الصلاحية بلا ضرر جسدي
اشترى مريض مضاداً حيوياً فاكتشف بعد يومين من الاستعمال أن تاريخ الصلاحية منتهٍ، ولم تظهر عليه أعراض، لكن الطبيب أوقف العلاج وبدأه من جديد بدواء آخر. الخطأ ثابت، والضرر الجسدي غير ثابت، لكن هناك ضرراً مادياً يتمثل في ثمن الدواء ونفقة المراجعة الإضافية، وقد يُبحث الضرر الأدبي المتمثل في القلق وتأخير العلاج. وتبقى الشكوى الإدارية مهمة هنا لأن المخالفة قد تمس غيره من المرضى، وقد يثار بحث قواعد حماية المستهلك بحسب طبيعة المعاملة.
مقارنة سريعة بين الحالات
- دواء غير الموصوف بوصفة صحيحة: المسؤول الأساسي الصيدلي، ومعه الصيدلية أو المستشفى متبوعاً. الدليل الأهم: الملصق مقارناً بالوصفة.
- خطأ في الوصفة نفسها: المسؤول الأساسي الطبيب، وقد يشاركه الصيدلي إن كان الخطأ ظاهراً، والجهة متبوعاً عنهما. الدليل الأهم: الوصفة والخبرة الطبية.
- جرعة أو تعليمات خاطئة على الملصق: المسؤول الصيدلي، والدليل الملصق نفسه.
- دواء منتهي الصلاحية أو سيئ التخزين: المسؤول الصيدلية ومن يتولى الصرف، وقد يتعلق الأمر بنظام الرقابة الداخلي. الدليل: العبوة ورقم التشغيلة والفاتورة.
- دواء يحتاج وصفة صُرف دون وصفة: مخالفة تنظيمية بذاتها، والمسؤولية المدنية تقوم عند الضرر، مع بحث خطأ المريض المشترك.
- إغفال تحذير أو تداخل: يتوقف على ما كان الصيدلي يعلمه أو كان يجب أن يعلمه، وهي أصعب الصور إثباتاً.
- عيب تصنيعي في الدواء: تتجه المسؤولية إلى المصنّع أو الوكيل، ما لم يكن العيب ظاهراً للصيدلي.
أسئلة شائعة
هل أستطيع مقاضاة الصيدلية وليس الصيدلي فقط؟
نعم في الغالب. فالصيدلية الخاصة أو المستشفى أو الجهة الحكومية تُسأل بوصفها متبوعاً عن خطأ الصيدلي الذي يعمل لديها متى وقع أثناء العمل أو بسببه. ويمكن اختصام الصيدلي والجهة معاً في دعوى واحدة.
ماذا لو لم أتضرر فعلاً من الدواء الخاطئ؟
التعويض يقوم على الضرر، فإن لم يقع ضرر جسدي فلا تعويض عنه. لكن قد يبقى ضرر مادي كثمن الدواء والمراجعات، ويمكن تقديم شكوى إدارية لحماية غيرك من تكرار الخطأ.
رميت العبوة قبل أن أعرف أهمية الاحتفاظ بها، فهل ضاع حقي؟
لا يضيع الحق بالضرورة، فسجل الصرف الإلكتروني في الصيدلية أو المستشفى، والفاتورة، والتقارير الطبية، وشهادة الشهود، كلها وسائل إثبات بديلة. لكن غياب العبوة يجعل الإثبات أصعب.
هل يتحمل الطبيب المسؤولية إذا كان الصيدلي هو من أخطأ؟
إذا كانت الوصفة صحيحة وواضحة، فالخطأ في الصرف لا يُنسب إلى الطبيب. أما إذا كان خط الوصفة غير مقروء أو كانت ملتبسة بما ساهم في الخطأ، فقد يُبحث نصيب الطبيب في المسؤولية.
هل يجب أن أبدأ بالشكوى الإدارية قبل الدعوى؟
الشكوى الإدارية مسار مستقل غرضه المساءلة المهنية، ولا يُشترط عادة سلوكها قبل الدعوى المدنية. لكنها قد تنتج تقريراً مفيداً، ويُقدَّر مدى ملاءمة البدء بها بحسب كل حالة.
هل خطأ الصرف جريمة؟
الخطأ بذاته ليس جريمة في كل الأحوال، لكنه إذا أدى إلى إصابة أو وفاة بسبب إهمال أو عدم احتراز قد يشكّل جريمة إصابة خطأ أو قتل خطأ وفق قانون الجزاء، إذا توافرت أركانها.
من يحدد إن كان الصيدلي قد أخطأ؟
المحكمة هي صاحبة القرار، لكنها تستعين عادة بخبرة فنية طبية أو صيدلانية تبيّن الأصول المهنية، وما إذا كان الصيدلي قد خالفها، والعلاقة بين المخالفة والضرر.
صرف لي الصيدلي دواءً يحتاج وصفة لأني طلبته، فهل لي أن أطالبه؟
صرف الدواء دون وصفة مخالفة من جانب الصيدلي، لكن طلبك الملحّ قد يُعد خطأً مشتركاً يُنقص التعويض. وتقدير توزيع الخطأ يعود إلى المحكمة بحسب الظروف.
هل يغطي التأمين الصحي علاج المضاعفات الناتجة عن خطأ الصرف؟
يتوقف ذلك على وثيقة التأمين وشروطها، وقد تحتفظ شركة التأمين بحق الرجوع على المتسبب. وإذا رُفضت المطالبة فراجع مقال رفض مطالبة التأمين الصحي في الكويت.
هل يختلف الوضع إذا كانت الصيدلية في مستشفى حكومي؟
المبدأ واحد: هناك خطأ وضرر وسببية. لكن الجهة المسؤولة تكون الجهة الحكومية التي يتبعها الصيدلي، وتختلف بعض الجوانب الإجرائية في مخاصمتها، وهو ما ينبغي ضبطه قبل رفع الدعوى.
هل تعرض الصيدلية تعويضاً ودياً ثم أفقد حقي إن قبلته؟
قد يتضمن الاتفاق الودي تنازلاً عن المطالبة، فاقرأ ما توقّع عليه بعناية. ولا يُنصح بالتوقيع على أي مخالصة قبل أن تتضح الآثار الصحية كاملة.
هل تختلف مسؤولية الصيدلي عن مسؤولية طبيب الأسنان أو الجراح؟
الأساس القانوني واحد، لكن طبيعة العمل تختلف، ويثور بشأن الصيدلي نقاش حول اقتراب التزامه في الصرف من تحقيق النتيجة. وللمقارنة راجع مقال الخطأ الطبي في علاج الأسنان في الكويت.
الخاتمة
خطأ الصرف من أكثر الأخطاء الطبية وضوحاً من حيث الدليل، لأنه غالباً ما يترك أثراً مادياً ملموساً: وصفة تقول شيئاً وعبوة تقول شيئاً آخر. لكن هذا الوضوح يتبدد سريعاً إذا رمى المريض العبوة، أو أعادها للصيدلية، أو تأخر في توثيق الأعراض. ولذلك فإن الساعات الأولى بعد اكتشاف الخطأ هي التي تحدد في كثير من الأحيان مصير المطالبة كلها.
والمسؤولية في هذه القضايا متعددة الأطراف بطبيعتها: صيدلي صرف، وجهة يعمل لديها، وطبيب كتب الوصفة، وربما مصنّع أو مورّد. وحسن اختيار الخصوم، وحسن تكييف العلاقة عقدية كانت أو تقصيرية، وحسن صياغة المهمة المطلوبة من الخبير، هي العوامل التي تفصل بين دعوى تنتهي بتعويض عادل ودعوى تتعثر في مسائل إجرائية.
ولا تتعارض المسارات الثلاثة: الشكوى الإدارية تحمي غيرك وتُنتج دليلاً، والشكوى الجزائية تحاسب على الإصابة، والدعوى المدنية تجبر الضرر. والمهم أن يُرتّب التحرك بينها بوعي، بحيث يخدم كل مسار الآخر ولا يُضعفه.
تنبيه قانوني
هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعد استشارة قانونية في حالة بعينها. فلكل واقعة ظروفها، وتقدير الخطأ والضرر والسببية وتوزيع المسؤولية يتوقف على المستندات والخبرة الفنية وتقدير المحكمة. وإن تعرضت أنت أو أحد أفراد أسرتك لضرر بسبب خطأ في صرف الدواء، فيمكنك التواصل معنا أو حجز موعد في مكتب يمناك لأعمال المحاماة لدراسة ملفك وتحديد المسار الأنسب.