تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة الرافد الأهم لتنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل، وقد أولتها الدولة اهتمامًا تشريعيًا ومؤسسيًا متزايدًا خلال العقد الأخير. غير أن كثيرًا من رواد الأعمال يبدأون مشروعاتهم بحماس تجاري كبير وإعداد قانوني ضعيف، فيصطدمون لاحقًا بمشكلات في التراخيص أو في العلاقة مع الشركاء أو في الالتزامات العمالية، وقد يفقدون التمويل الذي حصلوا عليه. ويستعرض هذا المقال الإطار القانوني الحاكم لهذه المشروعات في دولة الكويت وأهم ما ينبغي لصاحب المشروع الانتباه إليه منذ اليوم الأول.
الصندوق الوطني وإطاره القانوني
أنشئ الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة بموجب القانون رقم 98 لسنة 2013، ليكون الجهة المؤسسية المعنية بدعم هذا القطاع:
- الغرض: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للكويتيين وتشجيع المبادرات الريادية وتنمية ثقافة العمل الحر.
- صيغة التمويل: يقوم الدعم على مساهمة الصندوق في تمويل المشروع بنسبة محددة من رأس المال، مقابل مساهمة صاحب المشروع بالنسبة الباقية، ضمن سقف يحدده القانون واللوائح.
- طبيعة العلاقة: العلاقة مع الصندوق علاقة تعاقدية منظمة، تتضمن التزامات متبادلة بشأن استخدام التمويل والالتزام بدراسة الجدوى المعتمدة وتقديم التقارير الدورية.
- المتابعة والرقابة: يتابع الصندوق تنفيذ المشروع، وقد يترتب على مخالفة شروط التمويل أو تغيير النشاط دون موافقة آثار تعاقدية تصل إلى استرداد المبالغ.
ومن الأخطاء الشائعة أن يعامل صاحب المشروع التمويل باعتباره منحة، بينما هو التزام تعاقدي كامل الآثار. ولذلك ينبغي قراءة العقد وملاحقه قراءة قانونية دقيقة قبل التوقيع، لا سيما البنود المتعلقة بحالات الإخلال والضمانات ونسبة المساهمة.
اختيار الشكل القانوني للمشروع
يمثل اختيار الكيان القانوني القرار المؤسس الذي تترتب عليه آثار تمتد لسنوات، ويقدم قانون الشركات رقم 1 لسنة 2016 وما يتصل به عدة خيارات:
- المؤسسة الفردية: أبسط الأشكال وأقلها كلفة، لكن صاحبها يسأل عن ديون النشاط في جميع أمواله الخاصة، وهي مخاطرة كبيرة في الأنشطة ذات الالتزامات المرتفعة.
- الشركة ذات المسؤولية المحدودة: الأكثر شيوعًا، وتحصر مسؤولية الشريك في حدود حصته، وتناسب المشروعات ذات الشركاء المحدودين.
- شركة الشخص الواحد: تجمع بين استقلال الذمة وبساطة الإدارة الفردية، وتناسب من يرغب في تحديد مسؤوليته دون شريك.
- الشركة المساهمة المقفلة: تناسب المشروعات التي تخطط لاستقطاب مستثمرين أو التوسع لاحقًا، لكنها أعلى كلفة والتزامات حوكمة.
ويؤثر هذا الاختيار في القدرة على إدخال شركاء جدد، وفي معاملة التمويل، وفي كيفية الخروج من المشروع، ولذلك يُنصح بدراسته مع النشاط المستهدف وخطة النمو لا بمعزل عنهما.
عقد التأسيس بين الشركاء
أغلب المشروعات الناشئة لا تنهار بسبب السوق، بل بسبب الخلاف بين الشركاء وغياب اتفاق مكتوب يحسمه. ولذلك ينبغي أن يعالج عقد التأسيس أو اتفاق الشركاء المسائل الآتية بوضوح:
- الحصص والمساهمات: تحديد حصة كل شريك وطبيعة مساهمته، سواء كانت نقدية أو عينية أو عملًا، مع تقييم المساهمات غير النقدية تقييمًا موثقًا.
- الإدارة والصلاحيات: من يدير الشركة، وحدود صلاحيته في التعاقد والاقتراض والتوظيف، وما الذي يستلزم موافقة جماعية.
- توزيع الأرباح: آلية التوزيع ونسبته وتوقيته، ومقدار ما يُحتجز لإعادة الاستثمار.
- آلية الخروج: كيف يبيع الشريك حصته، وحق الشركاء في الأولوية بالشراء، وطريقة تقييم الحصة عند الخروج.
- حل الخلاف: النص على وسيلة لحسم النزاع، سواء بالوساطة أو التحكيم أو القضاء، منعًا لتعطل المشروع سنوات.
- عدم المنافسة: منع الشريك الخارج من مزاولة نشاط منافس لفترة معقولة.
التراخيص والالتزامات التنظيمية
لا يكفي تأسيس الكيان لمزاولة النشاط، بل يلزم استيفاء منظومة من التراخيص تختلف باختلاف النشاط:
- الترخيص التجاري: من وزارة التجارة والصناعة، ويجب أن يطابق النشاط الفعلي النشاط المرخص، فمزاولة نشاط غير مرخص تعرّض المنشأة للجزاء.
- ترخيص البلدية: ويتعلق بالموقع والاشتراطات الصحية والإنشائية واللوحة الإعلانية.
- التراخيص القطاعية: كترخيص وزارة الصحة للأنشطة الطبية والغذائية، وموافقات الجهات المعنية في الأنشطة التعليمية والرياضية والمالية.
- السجلات والاشتراكات: القيد في السجل التجاري والغرفة، والاشتراك في التأمينات الاجتماعية عن العاملين الكويتيين.
- التجديد في مواعيده: فانتهاء الترخيص دون تجديد قد يبطل عقودًا ويعرّض المنشأة للإغلاق.
الالتزامات العمالية والتعاقدية
مع أول موظف تبدأ منظومة كاملة من الالتزامات التي يغفلها كثير من أصحاب المشروعات الصغيرة:
- تحرير عقود عمل مكتوبة تحدد الأجر والمسمى والمدة وساعات العمل، فغياب العقد يُفسَّر عادة لمصلحة العامل.
- الالتزام بالحد الأدنى للحقوق المقررة في قانون العمل رقم 6 لسنة 2010 من إجازات ومكافأة نهاية خدمة وساعات عمل، ولا يجوز الاتفاق على ما ينتقص منها.
- تسجيل العاملين في التأمينات الاجتماعية وفق الفئات الخاضعة، وسداد الاشتراكات في مواعيدها.
- مراعاة أحكام تراخيص العمل ونقل العمالة، فالمخالفة ترتب جزاءات إدارية ومالية.
- وضع نماذج عقود موحدة للعملاء والموردين تتضمن شروط الدفع والتسليم والمسؤولية وحل النزاع.
أسباب التعثر القانوني ونصائح وقائية
من واقع الممارسة، تتكرر أسباب بعينها في تعثر المشروعات الصغيرة، ويمكن تفاديها مبكرًا:
- الخلط بين ذمة المشروع وذمة صاحبه: استخدام الحساب الشخصي في معاملات المشروع يفسد المحاسبة ويضعف الحماية القانونية للكيان.
- غياب التوثيق: الاتفاقات الشفهية مع الشركاء والعملاء أكبر مصدر للنزاع.
- إهمال الملكية الفكرية: عدم تسجيل العلامة التجارية مبكرًا قد يفقد المشروع اسمه لصالح من سجله أولًا.
- سوء إدارة الديون: التوسع في البيع الآجل دون ضمانات كافية أو سندات واضحة.
- تجاهل مواعيد التقادم: التأخر في المطالبة بالمستحقات حتى سقوط الحق.
إن التأسيس القانوني السليم للمشروع أقل كلفة بكثير من معالجة آثاره لاحقًا. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة خدمات تأسيس الكيانات وصياغة اتفاقات الشركاء ومراجعة عقود التمويل والتراخيص، ويمثل رواد الأعمال في منازعاتهم التجارية والعمالية بما يحمي مشروعاتهم من التعثر.