يدخل كثيرون عيادة الأسنان وهم يظنون أن أسوأ ما قد يحدث هو ألم عابر أو فاتورة أعلى من المتوقع، ثم يخرجون بسنٍّ سليمة مخلوعة بدل السن المصابة، أو بحشوة عصب تركت التهاباً أشد، أو بغرسة لا تثبت، أو بتقويم انتهى بفكّ مختل الإطباق وجذور متآكلة. والفارق بين هذه الحالات وبين الألم المتوقع من العلاج نفسه هو الفارق بين المضاعفة الطبية المقبولة والخطأ الطبي الموجب للمسؤولية، وهو فارق دقيق لا يحسمه شعور المريض بالضرر وحده، بل يحسمه ما يثبته الملف الطبي والأشعة وتقرير الخبرة.
هذا المقال مخصص لطب الأسنان تحديداً، لأن لهذا الفرع خصوصية لا تتكرر في بقية التخصصات: فالعيادة غالباً مرفق خاص صغير أو مركز متعدد الأطباء، والعلاج متكرر على مراحل وجلسات، والأشعة جزء أصيل من التشخيص، والتدخل التجميلي فيه ممتزج بالتدخل العلاجي حتى يصعب الفصل بينهما أحياناً. أما القواعد العامة للمسؤولية الطبية فقد شرحناها في مقال المسؤولية الطبية في القانون الكويتي: الأخطاء الطبية والتعويضات، فلا نعيد هنا تفصيلها، بل نطبقها على غرفة الأسنان.
سنتناول أنواع أخطاء الأسنان الشائعة، ثم طبيعة التزام الطبيب بين بذل العناية وتحقيق النتيجة، ثم مسؤولية العيادة عن طبيبها ومساعديه وفنييها، ثم الإثبات بالملف والأشعة والخبرة، ثم طرق المطالبة الثلاث: الشكوى الإدارية والدعوى المدنية والبلاغ الجزائي، ونختم بثلاث حالات افتراضية ومقارنة عملية وأسئلة شائعة.
الإجابة السريعة
طبيب الأسنان في الأصل يلتزم ببذل العناية الواجبة لا بتحقيق الشفاء، فلا تقوم مسؤوليته لمجرد أن العلاج لم ينجح. وتقوم متى ثبت أنه خرج عن الأصول العلمية المتعارف عليها بين أهل المهنة في مثله: كأن يخلع سناً غير التي شُخّصت، أو يباشر الغرس دون فحص كافٍ لعظم الفك، أو يترك أداة داخل القناة الجذرية، أو يعالج دون أخذ موافقة مستنيرة على المخاطر والبدائل. وفي بعض الأعمال ذات الطابع الصناعي أو التجميلي المحض قد يُنظر إلى التزامه على أنه أقرب إلى النتيجة، وهي مسألة تقدّرها المحكمة بحسب الاتفاق وطبيعة العمل ولا نحسمها هنا على وجه مطلق.
والعيادة الخاصة تُسأل عن أخطاء من يعمل لحسابها من أطباء ومساعدين وفنيي أشعة ومختبر بموجب قواعد مسؤولية المتبوع عن تابعه، وقد تُسأل أيضاً مسؤولية عقدية مباشرة عن عقد العلاج الذي أبرمته مع المريض. وللمريض ثلاثة مسارات يجوز الجمع بينها بحسب الحال: شكوى إدارية أمام الجهة الصحية المختصة، ودعوى تعويض مدنية، وبلاغ جزائي إن بلغ الخطأ حد الجريمة كالإيذاء الناتج عن الإهمال. والإثبات هو ساحة المعركة: ملف طبي كامل، وأشعة قبل العلاج وبعده، وتقرير خبرة طبية يندبه القضاء.
الإطار التشريعي لمساءلة طبيب الأسنان
لا يوجد قانون مستقل يسمى «قانون الخطأ في طب الأسنان»، فالمسؤولية عن أخطاء الأسنان تنتظم تحت ثلاث طبقات تشريعية متراكبة. الطبقة الأولى هي القانون المدني رقم 67/1980، وفيه القواعد العامة للمسؤولية العقدية والتقصيرية والتعويض عن الضرر والمسؤولية عن فعل الغير. فإن كان بين المريض والطبيب أو العيادة عقد علاج فالإخلال بما يوجبه العقد يؤسس مسؤولية عقدية، وإن لم يكن ثمة عقد صحيح، أو كان الضرر خارج ما يشمله العقد، فالمسؤولية تقصيرية قائمة على الفعل الضار. وللتفصيل في هذه التفرقة راجع مقالنا عن المسؤولية الطبية العامة.
الطبقة الثانية هي التنظيم المهني والصحي: ترخيص مزاولة المهنة، وترخيص المنشأة الصحية الخاصة، وشروط الأجهزة والتعقيم والسجلات، وواجبات الأطباء تجاه المرضى، وقد عرضنا ملامحه في تنظيم المهن الصحية في الكويت: ترخيص الأطباء والمنشآت الطبية وفي قانون الصحة العامة في الكويت: الإطار التنظيمي وحقوق المرضى. وأهمية هذه الطبقة في قضايا الأسنان أنها تحدد ما إذا كان من عالجك مرخصاً أصلاً لهذا النوع من التدخل، وما إذا كانت العيادة مستوفية للشروط، وهو ما يفتح بابين: باب المساءلة الإدارية والتأديبية، وباب إثبات الخطأ لأن مزاولة عمل دون ترخيص مخالفة بذاتها تقوّي موقف المضرور. ولم نذكر هنا رقماً لقانون مزاولة المهنة لأن الاعتماد على أرقام التشريعات يستلزم تدقيقاً مباشراً مع النص الرسمي المعمول به.
الطبقة الثالثة هي القانون الجزائي: قانون الجزاء رقم 16/1960 وقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17/1960، وفيهما جرائم الإيذاء والإصابة الخطأ والقتل الخطأ، وطريق الادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية الذي شرحناه في الادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية في الكويت. ويضاف إليها قانون الإثبات رقم 39/1980 الذي يحكم عبء الإثبات والقرائن وندب الخبراء، وقانون المرافعات رقم 38/1980 الذي يحكم رفع الدعوى والاختصاص والطعون، وقانون حماية المستهلك رقم 39/2014 الذي قد يتدخل حين تكون العلاقة بين العيادة والمريض علاقة خدمة مقابل أجر تشوبها دعاية مضللة أو إخلال بما تم الإعلان عنه، على ما نبينه لاحقاً.
الأحكام الموضوعية: أخطاء الأسنان الشائعة وطبيعة الالتزام
أولاً: الخلع
الخلع من أبسط الإجراءات ظاهراً وأكثرها قابلية للخطأ الفادح. فمن صور الخطأ فيه: خلع سن سليمة بدل المصابة نتيجة خلل في التشخيص أو في التحقق من هوية السن قبل التخدير، وكسر الجذر وتركه دون إعلام المريض أو معالجته، وإحداث إصابة في السن المجاورة أو في عظم الفك أو في العصب السفلي أو الجيب الفكي، والتخدير الموضعي دون استقصاء الحساسية والأمراض المصاحبة كالسكري واضطرابات التجلط والأدوية المميعة. والخلع الخاطئ لسن سليمة هو من الحالات التي يقترب فيها الخطأ من «الخطأ الظاهر» الذي لا يحتاج إلى جدل فني كبير، لأن الطبيب لا يملك أن يقول إنه التزم الأصول وهو قد نزع غير ما اتفق عليه، وإن كان تقدير التعويض يظل بحاجة إلى بيان ما فُقد فعلاً وما يمكن تعويضه بالزراعة أو التركيب.
ثانياً: علاج العصب والحشوات الجذرية
تقوم أخطاء علاج الجذور على سوء تشخيص الحاجة إلى العلاج، أو إغفال قناة جذرية، أو تجاوز الحشو لنهاية الجذر، أو كسر أداة داخل القناة وإخفاء ذلك، أو ثقب جدار الجذر، أو استعمال مواد غير مناسبة، أو ترك السن دون تغطية نهائية فتتلوث القنوات، أو تأخير الإحالة إلى مختص عندما يتعقد الوضع. وهنا يبرز سؤال الفصل بين الفشل الطبيعي والخطأ: فنسبة من علاجات العصب تفشل علمياً حتى مع أمهر الأطباء لأسباب تشريحية، فلا يُعد الفشل وحده دليلاً على الخطأ. المحك هو الأشعة المأخوذة أثناء العلاج وبعده، وهل نُفّذت الخطوات المتعارف عليها، وهل أُعلم المريض بما جرى فور وقوعه.
ثالثاً: زراعة الأسنان
الزراعة عمل جراحي يقوم على تخطيط سابق: أشعة مقطعية ومسح لعظم الفك ودراسة لموضع الأعصاب والجيوب، ثم الغرس، ثم فترة التحام، ثم التركيب. ومن صور الخطأ: الغرس دون أشعة كافية، أو في موضع يمس العصب السفلي فيسبب خدراً دائماً في الشفة والذقن، أو اختراق الجيب الفكي، أو اختيار غرسة غير مناسبة لحجم العظم، أو إهمال علاج التهاب اللثة قبل الجراحة، أو غرس في مريض لم تُفحص حالته الجهازية، أو ترك مضاعفة العدوى دون متابعة. وفي الزراعة تحديداً يكثر الخلاف حول من يتحمل فشل الالتحام: الطبيب أم المريض الذي دخّن أو أهمل النظافة أو لم يلتزم بالمراجعات؟ وهذا الخلاف تحسمه الخبرة بالرجوع إلى الملف وتعليمات ما بعد الجراحة وما إذا كانت مكتوبة وموقّعة.
رابعاً: التقويم
التقويم علاج طويل المدة، ومن أخطائه: بدء العلاج دون دراسة كافية للحالة وأشعة بانورامية وجانبية، أو تحريك الأسنان في وجود التهاب لثة نشط، أو قوى زائدة تسبب امتصاص الجذور، أو إهمال المتابعة الدورية، أو ترك المريض أشهراً دون ضبط، أو التخلي عن العلاج في منتصفه، أو إسناد التقويم إلى طبيب عام غير متخصص فيه بما يُحدث نتائج لا تتفق مع ما أُعلن. ومن المسائل العملية أن كثيراً من نزاعات التقويم تدور حول مدة العلاج المتفق عليها والرسوم المدفوعة مقدماً، فيتداخل فيها الجانب العلاجي مع الجانب التعاقدي والاستهلاكي.
خامساً: التركيبات والتجميل
تيجان وقشور وابتسامة هوليود وتبييض: أعمال تتفاوت بين العلاجي والتجميلي. ومن أخطائها: برد مفرط للسن السليمة دون ضرورة، وتركيبات غير مطابقة تسبب التهاب اللثة أو اختلال الإطباق، وتبييض بتركيز غير آمن، وتخدير أو تعريض لمواد دون موافقة. وقد تناولنا الجانب التجميلي من المسؤولية الطبية في المسؤولية الطبية في عمليات التجميل في الكويت: الرضا المستنير والالتزام بالنتيجة، ونكتفي هنا بتطبيقه على الأسنان.
التمييز بين العناية والنتيجة في طب الأسنان
القاعدة المستقرة فقهاً وقضاءً أن التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية، لأن الشفاء يتوقف على عوامل بيولوجية خارجة عن إرادته. فإذا ثبت أن الطبيب بذل جهداً صادقاً يقظاً موافقاً للأصول العلمية فلا مسؤولية عليه ولو لم يتحقق الأمل. أما في طب الأسنان فتبرز منطقة رمادية: الأعمال الصناعية كالتركيبات والتيجان والأطقم يرى كثيرون أنها أقرب إلى عقد المقاولة أو الصناعة منها إلى العلاج، فيُطلب فيها مطابقة التركيب للمواصفات المتفق عليها، وهذا هو الجانب الذي قد يُنظر إليه التزاماً بنتيجة في الجزء الصناعي دون الجزء البيولوجي. وكذلك التجميل المحض الذي يطلبه شخص سليم لتحسين مظهره، فقد ذهب فريق إلى تشديد التزام الطبيب فيه حتى يقرب من النتيجة، وذهب آخر إلى إبقائه التزاماً بعناية مشددة. وهذه المسألة محل خلاف في الفقه والتطبيق، ولا نحسمها، وإنما نقول إن المحكمة تنظر في كل حالة إلى ما وُعد به المريض فعلاً وإلى الإعلانات والعقد المكتوب وطبيعة العمل.
الرضا المستنير
للمريض أن يعلم قبل العلاج بتشخيصه والخيارات المتاحة ومخاطر كل خيار ونسبة نجاحه المتوقعة وتكلفته، وأن يوافق عن إدراك. والتوقيع على نموذج عام منسوخ يضم عبارة «أوافق على كل إجراء» لا يغني عن شرح حقيقي، خصوصاً في الإجراءات غير العاجلة كالزراعة والتقويم والتجميل. وتخلف الرضا المستنير قد يكون خطأً مستقلاً حتى لو كان تنفيذ العلاج سليماً فنياً، وقد يرتب تعويضاً عن تفويت فرصة الاختيار.
أنواع التعويض
يشمل التعويض ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب إذا كان نتيجة طبيعية للخطأ: نفقات العلاج التصحيحي، وثمن السن أو الغرسة المفقودة، والأتعاب المدفوعة عن عمل لم يتم أو فسد، وما قد يفوت من عمل أو دخل، والضرر المعنوي عن الألم والتشوه والحرج الاجتماعي، وقد شرحناه في التعويض عن الضرر المعنوي في القانون الكويتي. ويقدّر القاضي التعويض بحسب ما ثبت له بعد تقرير الخبير، فلا قاعدة جامدة، ولا نذكر هنا مبالغ لأنها تتباين بتباين الحالات.
مسؤولية العيادة عن الطبيب والمساعدين
الخطأ في العيادة ليس دائماً خطأ الطبيب المعالج وحده. فهناك المساعد الذي يعد الأدوات ويعقّم، وفني الأشعة الذي يصوّر، وفني المختبر الذي يصنع التركيبة، والممرض الذي يعطي بعض الأدوية، وموظف الاستقبال الذي يدير المواعيد وقد يؤخر إسعافاً، وطبيب آخر زائر يعمل بنظام الحصة. فمن يُسأل عن ماذا؟
أولاً: مسؤولية العيادة بوصفها متبوعاً. القاعدة العامة في القانون المدني أن المتبوع يُسأل عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها، وللمتبوع سلطة فعلية في الرقابة والتوجيه ولو لم يخترها. وقد فصلنا هذه القاعدة في المسؤولية عن فعل الغير في القانون الكويتي. وتطبيقها على العيادة أن الطبيب الذي يعمل أجيراً أو بموجب عقد داخل العيادة وبموافقتها، والمساعد والفني، كلهم تابعون في الغالب، فتُسأل العيادة عن أخطائهم، ولا تستطيع أن تحتج بأنها لم تباشر العلاج بنفسها.
ثانياً: المسؤولية العقدية للعيادة. إذا كان عقد العلاج مبرماً مع العيادة وإيصال الدفع باسمها، فهي الطرف المتعاقد، ويسأل المتعاقد عن تنفيذ التزامه عن طريق من استعان بهم، وهو ما يجعل موقف المريض أيسر في بعض الأحيان لأنه يكفيه إثبات العقد وعدم تحقق الالتزام كما اتُّفق. وقد تسأل كذلك عن الإخلال بالتزامات السلامة: التعقيم، وصلاحية الأجهزة، وتجهيز غرفة الطوارئ، وتوفر ما يلزم لإسعاف المضاعفات الحادة كالحساسية الشديدة.
ثالثاً: الطبيب الزائر أو المستقل. بعض العيادات تؤجر الكراسي لأطباء يتعاقدون مباشرة مع المرضى ويحاسبونهم بأنفسهم. هنا تثور مسألة هل الطبيب تابع أم مستقل، ويقدّرها القاضي بمظاهر التبعية: من حدد الأتعاب؟ ومن استلمها؟ وباسم من الإيصال؟ وهل يخضع الطبيب لتعليمات العيادة وأوقاتها؟ وما الذي يظنه المريض بحسن نية وهو يرى لافتة العيادة؟ فإن اعتقد المريض معقولاً أنه يتعامل مع العيادة قد تُسأل عن مظهر الوكالة أو التبعية، وللمتضرر ألا يترك دعواه لمجرد غموض العلاقة الداخلية، بل يختصم العيادة والطبيب معاً ويترك للمحكمة تحديد التوزيع.
رابعاً: الرجوع بين المسؤولين. إذا قضى بالتعويض على العيادة جاز لها الرجوع على الطبيب المخطئ بما دفعت وفق علاقتهما، وإذا تعدد المسؤولون كانوا متضامنين في التزامهم بالتعويض أمام المضرور وفق القواعد العامة، ثم تتوزع حصصهم فيما بينهم. أما المريض فيستفيد من أن يملك أكثر من مدين، وخاصة إذا كان الطبيب نفسه محدود اليسار أو غادر البلاد.
خامساً: المسؤولية الإدارية والتنظيمية للعيادة. العيادة التي تشغّل شخصاً غير مرخص لمزاولة عمل يتطلب ترخيصاً، أو تستعمل أجهزة غير مرخصة، أو تهمل سجلاتها، قد تتعرض لإجراءات إدارية بغض النظر عن التعويض المدني. وتفصيل ذلك في تنظيم المهن الصحية.
سادساً: العلاقة الاستهلاكية. متى كانت العيادة تعلن عن خدمات وأسعار وضمانات، فقد تتصل العلاقة بنطاق حماية المستهلك رقم 39/2014، فيُنظر في دقة الإعلان ومطابقة الخدمة لما أُعلن، والحق في ما وُعد به، وراجع في ذلك قانون حماية المستهلك في الكويت. وتخضع بعض صور الدعاية الطبية المبالغ فيها كـ«نتيجة مضمونة» لتشدد القضاء حين يقيّم التزام الطبيب.
مبادئ محكمة التمييز في الأخطاء الطبية
استقر قضاء محكمة التمييز على أن التزام الطبيب هو في الأصل التزام ببذل عناية، وأنه يُسأل عن كل تقصير في مسلكه لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني وجد في الظروف نفسها، وأن إثبات هذا التقصير يقع على عاتق من يدعيه، وأن الخطأ الفني اليسير الذي تختلف فيه الآراء العلمية لا يرتب المسؤولية ما دام الطبيب قد اتبع رأياً علمياً معتبراً.
واستقر قضاؤها كذلك على أن مسألة ثبوت الخطأ الطبي من عدمه وعلاقة السببية بينه وبين الضرر هي من المسائل الفنية التي يجوز للمحكمة أن تستعين فيها بأهل الخبرة، وأن لها أن تأخذ بتقرير الخبير متى اطمأنت إليه وكان مبنياً على أسس سليمة، وأنها لا تلتزم بإجابة طلب ندب خبير آخر ما دامت الواقعة قد وضحت لديها، وأن عليها إن عدلت عن تقرير الخبير أن تقيم قضاءها على أسباب سائغة. وفي المقابل، استقر على أنها لا تقضي في مسألة فنية بحتة بمجرد رأيها دون سند من الخبرة.
وأقر القضاء أن لقاضي الموضوع سلطة تقدير التعويض بما يجبر الضرر الذي ثبت، من غير تعسف ولا تجاوز، وأن المسؤولية عن فعل التابع تقوم على رابطة التبعية وأن يقع الخطأ من التابع حال تأدية وظيفته أو بسببها، وأن للمتبوع الرجوع على تابعه بما دفع. وأن الحكم الجزائي النهائي في موضوع الواقعة له حجية أمام المحكمة المدنية فيما فصل فيه فصلاً لازماً.
تنويه منهجي: ما سبق عرض لمبادئ عامة مستخلصة من اتجاه قضاء محكمة التمييز وليس نقلاً لحكم بعينه، ولم نذكر أرقام الطعون لأن لكل منها وقائعه، وللحكم القضائي وزنه بحسب وقائعه ومنطوقه. ويجب الرجوع إلى الأحكام المنشورة عند إعداد أي صحيفة أو مذكرة، وتحديد ما إذا كان اتجاه معين قد تغير.
الإجراءات العملية: كيف تتحرك بعد الخطأ
الخطوة الأولى: تأمين العلاج والصحة قبل الخصومة
أول ما يُنصح به أن تُعالج الحالة عند طبيب آخر مستقل وفي أقرب وقت، فهذا يحمي صحتك ويوثق الضرر في تقرير طبي مستقل. لا تُصلح الخلل عند الطبيب نفسه بعد أن ساءت الثقة إلا إن كانت الحالة طارئة، ولا تمنع المعالج الجديد من تصوير الأشعة واستخراج صورة دقيقة لحالة الأسنان. واحرص أن يكتب الطبيب الجديد في تقريره وصفاً واضحاً للحالة دون استعجال في إطلاق أحكام على زميله، فالتقرير الموضوعي أقوى أثراً.
الخطوة الثانية: طلب الملف الطبي والأشعة
اطلب كتابة من العيادة نسخة كاملة من ملفك: التشخيص، وخطة العلاج، وسجل الجلسات، والأدوية والتخدير، وإقرارات الموافقة، والفواتير والإيصالات، وجميع الأشعة بصيغتها الرقمية الأصلية لا صورة مطبوعة فقط. وإذا رفضت العيادة فراجع ما كتبناه في رفض المستشفى تسليم الملف الطبي: حق المريض في الاطلاع والنسخة، ومع أن عنوانه المستشفى فإن المنطق نفسه ينطبق على العيادة الخاصة. وسجّل الرفض بإنذار رسمي أو رسالة موثقة، لأنه قد يصبح قرينة ضد العيادة.
الخطوة الثالثة: توثيق الواقعة
احتفظ برسائل الواتساب والمكالمات والإعلانات التي استندت إليها، والإيصالات، وصور الفم قبل وبعد، وأسماء من حضر الجلسات، وما قيل لك من اعتراف أو وعد بالإصلاح. ولا تعتمد على الذاكرة؛ دوّن الوقائع بتواريخها في ورقة منفصلة وأنت قريب من الحدث.
الخطوة الرابعة: الإنذار أو المطالبة الودية
قبل التصعيد، كثيراً ما تُحل المسألة بإنذار مكتوب يحدد الخطأ ويطلب إصلاحه أو رد الأتعاب أو تعويضاً، يُرسل بوسيلة تثبت التسلم. وقد تكون العيادة مؤمّنة ضد المسؤولية المهنية، فيدخل المؤمّن على الخط ويُسهل التسوية. وقد شرحنا ملامح موقف شركات التأمين في رفض مطالبة التأمين الصحي، وهو موضوع مختلف لكنه يعطي فكرة عن أسلوب التعامل مع المؤمّن.
الخطوة الخامسة: اختيار المسار
اختيار المسار قرار استراتيجي: الشكوى الإدارية إلى الجهة الصحية المختصة بالترخيص والرقابة، وهي أسرع وأقل كلفة وقد تنتهي بتحقيق وإجراءات تأديبية أو إدارية بحق العيادة أو الطبيب أو بإحالة الحالة إلى لجنة فنية، لكنها لا تمنحك تعويضاً مباشراً. والدعوى المدنية هي طريق التعويض، وتُرفع أمام المحكمة المدنية المختصة وفق قانون المرافعات رقم 38/1980، وغالباً ما تنتدب المحكمة خبيراً طبياً. والبلاغ الجزائي يُقدم إلى جهة التحقيق إذا كان الضرر جسيماً كفقد عضو أو سن أو إصابة دائمة أو وفاة، ويجوز أن تدّعي مدنياً أمام المحكمة الجزائية. وللجمع بين المسارات أحكام: فالدعوى المدنية قد تُوقف انتظاراً للفصل في الجزائية في بعض الأحوال، والحكم الجزائي له أثر على المدنية.
المستندات المطلوبة
- الهوية المدنية للمريض وعقد العلاج أو خطة العلاج المكتوبة والمقايسة المالية.
- الملف الطبي الكامل بما فيه نماذج الموافقة وتعليمات ما بعد العلاج.
- الأشعة الرقمية قبل العلاج وأثناءه وبعده بتواريخها.
- الفواتير والإيصالات وكشوف الدفع وأي إعلان أو عرض سعري.
- تقرير طبي مستقل من طبيب آخر يصف الحالة والإصلاح اللازم وتكلفته.
- المراسلات والرسائل والتسجيلات المشروعة وأسماء الشهود.
- صور فوتوغرافية متسلسلة للحالة وأي مستندات تثبت فوات كسب أو غياب عن عمل.
الإثبات: الملف الطبي والأشعة والخبرة
الأصل أن البينة على من ادعى، وفق قانون الإثبات رقم 39/1980، فيقع على المريض عبء إثبات ثلاثة أركان: الخطأ، والضرر، والسببية بينهما. وهنا تكمن صعوبة هذا النوع من القضايا: فالمريض لا يملك الملف، ولا يفهم لغة الأشعة، والطبيب هو من يكتب السجل. لذلك تتجه المحاكم إلى تخفيف وطأة الإثبات بوسائل عدة، منها الاستعانة بالخبرة، وتقدير القرائن، وإلزام العيادة بتقديم ما تحت يدها.
الملف الطبي
هو الشاهد الأول والأخطر. فيه التشخيص والخطة والجلسات والمواد والتخدير والموافقات. وما يغيب عنه يُفسَّر غالباً ضد من كان واجبه تدوينه: عيادة لا تحتفظ بسجل منتظم، أو سجل بخط واحد وحبر واحد لجلسات متباعدة، أو ملف خالٍ من أي موافقة مكتوبة، كلها مؤشرات تتأمل فيها المحكمة. وللمزيد حول حق المريض في الحصول عليه وسبل المطالبة، راجع مقالنا عن الملف الطبي. ويجوز للمحكمة أن تأمر العيادة بتقديم الملف، وأن تعتبر الامتناع قرينة، بحسب ما يقرره قانون الإثبات في الإلزام بتقديم المحررات.
الأشعة
في طب الأسنان الأشعة هي الحقيقة المرئية. أشعة قبل العلاج تثبت الحالة الأصلية: هل كانت السن بحاجة فعلاً إلى خلع أو عصب؟ وأشعة أثناء العلاج تبين طول الحشو أو موضع الغرسة أو وجود أداة مكسورة، وأشعة بعده تبين النتيجة. وتتنوع بين صورة صغيرة محيطة بالذروة وبانورامية وأشعة مقطعية مخروطية للفك. ولا تكتفِ بالصورة الورقية، بل اطلب الملفات الرقمية بصيغتها الأصلية بتواريخها، لأن تعديل الصورة أو تباين الجودة يثير الشك. وإذا لم تجرِ العيادة أشعة قبل إجراء كان يستلزمها علمياً كالزراعة فهذا بحد ذاته قرينة على التقصير.
الخبرة الطبية
غالباً ما تكون الخبرة العمود الفقري للحكم. تندب المحكمة خبيراً أو لجنة، ويبين الخبير: هل التشخيص صحيح؟ وهل الإجراء موافق للأصول؟ وهل وقع خطأ؟ وما علاقته بالضرر الحالي؟ وهل يمكن إصلاحه وبكم وبأي وسيلة؟ وما نسبة العجز إن وجد؟ ونصيحتنا العملية أن تصوغ أسئلة محددة للخبير بدلاً من ترك المأمورية عامة، وأن تحضر المناقشة بملاحظات فنية مكتوبة، وأن تقدّم تقريرك الاستشاري المستقل. وقد شرحنا ذلك بتفصيل في الخبرة الطبية أمام المحكمة الكويتية: ندب الخبير والاعتراض على تقريره، ومنه الفرق بين الخبير القضائي واللجنة الفنية الإدارية. ويجوز الاعتراض على التقرير ومناقشة الخبير وطلب إعادة المأمورية إن شاب التقرير قصور، والمحكمة صاحبة التقدير في ذلك.
الشهود والقرائن
المساعدة والاستقبال والمرضى الآخرون قد يكونون شهوداً على ما قيل، والرسائل النصية قد تكشف اعترافاً بالخطأ أو وعداً بالتصحيح، وتقبل المحررات الإلكترونية وفق قانون المعاملات الإلكترونية رقم 20/2014 بشروطه. ويفيد أيضاً في الإثبات سلوك العيادة بعد الواقعة: هل عرضت الإصلاح مجاناً؟ هل أعادت الرسوم؟ وهذا لا يعد اعترافاً قاطعاً بالخطأ لأنه قد يكون حرصاً على السمعة، لكنه يدخل في تقدير القاضي للوقائع.
حالات افتراضية
الحالات التالية افتراضية لأغراض الشرح فقط، ولا تمثل قضايا حقيقية، والتكييف النهائي لأي واقعة يعتمد على مستنداتها وتقرير الخبير.
الحالة الأولى: خلع سن سليمة
راجعت سلمى عيادة خاصة تشكو ألماً في ضرس سفلي، فشخّص الطبيب التهاباً وقرر الخلع. بعد الخلع استمر الألم ثم تبين لها عند طبيب آخر أن الضرس المصاب ما زال في مكانه وأن المخلوع كان سليماً مجاوراً له. لجأت إلى العيادة فطلبت منها أشعة الجلسة فأجابت بأنها «لم تُحفظ». هنا ثلاثة محاور: أولاً، الخطأ في تحديد السن ظاهر ويقارب الخطأ الجسيم، ثانياً، غياب الأشعة والسجل يضعف دفاع العيادة، ثالثاً، التعويض يشمل كلفة تعويض السن المفقودة بالوسيلة المناسبة طبياً، والألم، والضرر المعنوي. وتتجه الخطة إلى إنذار العيادة، وتقرير استشاري، ثم دعوى تعويض ضد الطبيب والعيادة معاً، مع شكوى إدارية موازية. وقد يُنظر في بلاغ جزائي إن كان في الإتلاف ما يشكل إيذاءً بإهمال.
الحالة الثانية: زراعة سن أصابت العصب
أجرى خالد زراعة ضرس سفلي في مركز أسنان، وبعد زوال أثر التخدير بقي لديه خدر في الشفة السفلى والذقن. أخبره الطبيب أنه «أمر طبيعي سيزول». مرت أشهر دون زوال. اتضح من الأشعة المقطعية أن الغرسة قريبة جداً من قناة العصب السفلي. الأسئلة المحورية: هل أُجريت أشعة مقطعية قبل الغرس؟ وهل جرى قياس المسافة الآمنة؟ وهل حذّره الطبيب من هذه المضاعفة ووقّع على ذلك؟ وهل أُحيل إلى جراح فم مختص عند ظهور الخدر؟ إن ثبت غياب التخطيط الكافي فالخطأ قائم، وإن ثبت أن المضاعفة نادرة وأن الطبيب أخذ الاحتياطات وشرحها وسارع بالعلاج فقد تنتفي المسؤولية أو تضعف. وهذه الحالة نموذج لحاجة المريض إلى الخبرة، ولأهمية الموافقة المستنيرة المكتوبة.
الحالة الثالثة: تقويم وتراجع الطبيب
دفعت نورة رسوم تقويم كاملة مقدماً لعيادة تجمع أطباء عديدين، وبعد أشهر غادر الطبيب المعالج العيادة، وتولى المتابعة طبيب جديد غير ملم بالخطة، وظهرت أعراض في الجذور وتراجع في اللثة. رفضت العيادة رد المبلغ مقابل ما لم يُنفذ. هنا تتكامل أحكام مسؤولية العيادة عن الطبيب لأنها الطرف المتعاقد، ومسؤوليتها عن إخلال العقد بالتخلي عن العلاج أو تعطيله، وإمكان طلب فسخ جزئي ورد ما يقابل الجزء غير المنفذ، مع تعويض عن الضرر الصحي إن ثبت بالخبرة أن التقويم المتعثر هو سببه. ويستحسن توثيق الحالة بأشعة بانورامية حديثة تقارن بما قبل العلاج. ويمكن عرض الأمر على جهة حماية المستهلك إن اتصلت المسألة بإخلال الخدمة بما أعلن.
مقارنة بين مسارات المطالبة
- الشكوى الإدارية للجهة الصحية: أسرع وأخف كلفة، ومجالها المساءلة المهنية والتنظيمية للطبيب والعيادة وفحص الترخيص والاشتراطات. لا تمنح تعويضاً مباشراً. وقد تعطي تقريراً فنياً يفيد لاحقاً، وإن لم يكن ملزماً للقضاء ولا يغني عن الخبرة القضائية. وقرارها الإداري قد يكون محلاً لطعن أمام القضاء الإداري وفق قانون الدائرة الإدارية رقم 20/1981 بحسب الأحوال.
- الدعوى المدنية المستقلة: هي طريق التعويض الكامل: ماديًا ومعنويًا. أطول زمناً، تستلزم خبرة طبية، وتخضع للاستئناف والتمييز. تناسب الخطأ الذي لا يبلغ حد الجريمة، أو الذي تريد فيه التركيز على الأضرار المدنية.
- البلاغ الجزائي مع الادعاء المدني: مناسب حين يكون الضرر جسيماً أو دائماً أو ثمة تزوير في الملف أو مزاولة بلا ترخيص. تحقق فيه جهة التحقيق وقد تحيل إلى المحكمة، ويمكنك الادعاء مدنياً بالتعويض أمامها. ميزته قوة أدوات التحقيق وضغطه، وعيبه أن عبء الإثبات الجزائي أشد، وأن الحكم بالبراءة قد يؤثر في الدعوى المدنية بحسب أساسه، وأن للتنازل أو الصلح أثراً.
- الصلح والتسوية الودية: أسرع وأقل ضرراً بالسمعة للطرفين، ويقتضي تدوين التسوية في اتفاق مكتوب ينص بدقة على ما تنازلت عنه وما استلمته، ولا يوقع المريض مخالصة عامة قبل أن يتبين حجم الضرر الفعلي.
- مطالبة شركة التأمين على المسؤولية المهنية: إن كانت للعيادة وثيقة، فقد تسهل التسوية، لكن علاقتك القانونية في الأصل هي مع العيادة والطبيب لا مع المؤمّن، وتتبع أحكام التأمين المقررة في القانون المدني ووثيقته.
الأسئلة الشائعة
هل كل مضاعفة بعد علاج الأسنان تعني وجود خطأ طبي؟
لا. للعلاج مضاعفات معروفة قد تقع حتى مع الالتزام بالأصول، كالألم بعد الخلع أو حساسية بعد الحشو أو فشل التحام بعض الغرسات. المسؤولية تقوم حين يثبت الخروج عن الأصول العلمية أو الإهمال أو غياب الإعلام بالمخاطر، وهذا ما تفصل فيه الخبرة.
هل يلتزم طبيب الأسنان بتحقيق نتيجة أم ببذل عناية؟
الأصل ببذل عناية، لأن الاستجابة البيولوجية خارجة عن إرادته. وفي الأعمال الصناعية والتجميلية المحضة يشدد بعض الاتجاهات الالتزام حتى يقرب من النتيجة، وهي مسألة تقديرية يحكمها الاتفاق والإعلان وطبيعة العمل، وتُعرض على القاضي لا نحسمها مسبقاً.
خُلعت لي سن غير المطلوبة، ماذا أفعل؟
عالج حالتك فوراً عند طبيب آخر، واطلب الملف والأشعة، ووثّق الواقعة، ثم وجّه إنذاراً للعيادة. هذا النوع من الأخطاء من أوضح صور الخطأ، لكن التعويض يتوقف على ما فُقد فعلاً وما يمكن إصلاحه. استعن بمحامٍ لاختيار المسار الأنسب.
هل أسأل الطبيب أم العيادة؟
يمكنك مخاصمتهما معاً، فالطبيب مسؤول عن خطئه، والعيادة مسؤولة عن تابعيها وعن عقد العلاج الذي أبرمته. ويفيدك تعدد المدينين في ضمان التنفيذ. وتقدر المحكمة العلاقة الداخلية بينهما.
هل تسأل العيادة عن خطأ المساعد أو فني الأشعة؟
نعم في الأصل، فالمتبوع يُسأل عن أعمال تابعه متى وقعت أثناء الوظيفة أو بسببها. وتسأل أيضاً عن التزامات السلامة والتعقيم وصلاحية الأجهزة. راجع مقال المسؤولية عن فعل الغير المذكور أعلاه.
لم يشرح لي الطبيب المخاطر، هل هذا وحده يكفي للتعويض؟
تخلف الرضا المستنير قد يكون خطأً مستقلاً، لكن التعويض يحتاج إلى ضرر ثابت وعلاقة سببية. ويقدّر القاضي أثر عدم الإعلام على قرارك، خصوصاً في الإجراءات غير الطارئة كالزراعة والتجميل.
رفضت العيادة تسليمي الأشعة والملف، هل أستطيع إجبارها؟
لك المطالبة الكتابية، ثم الشكوى الإدارية، ثم طلب المحكمة إلزامها بتقديم المحررات في الدعوى. ويُعد الامتناع غير المبرر قرينة تقدّرها المحكمة. وابدأ بإنذار موثق يثبت الطلب والرفض.
هل يلزمني تقرير طبيب آخر قبل رفع الدعوى؟
لا يشترط القانون ذلك لرفعها، لكنه مفيد جداً لتوثيق الحالة وتقدير كلفة الإصلاح وتحديد أسئلة الخبير، وتقدّر المحكمة قيمته كمستند من مستندات الدعوى لا كخبرة قضائية ملزمة.
هل تكفي الشكوى لوزارة الصحة للحصول على تعويض؟
لا، فالشكوى الإدارية مسارها المساءلة المهنية والتنظيمية ولا تمنح تعويضاً مباشراً. التعويض يُطلب بدعوى مدنية أو بادعاء مدني أمام المحكمة الجزائية. وقد يفيد تقرير الجهة الفنية كمستند مساند فقط.
متى يصلح البلاغ الجزائي في خطأ طبيب الأسنان؟
حين يبلغ الضرر درجة جسيمة أو دائمة أو يقترن بإهمال ظاهر أو تزوير في الملف أو مزاولة بلا ترخيص. وتخضع التكييفات الجزائية لقانون الجزاء رقم 16/1960 ولإجراءات الدعوى بقانون رقم 17/1960، ويمكن الادعاء المدني أمام المحكمة الجزائية.
هل يعوض الضرر المعنوي عن تشوه الابتسامة؟
يجوز التعويض عن الضرر المعنوي بما يصيب المضرور من ألم وحرج وتشوه، ويقدّره القاضي بحسب ظروف كل حالة وتقرير الخبير، ولا قاعدة حسابية ثابتة. راجع مقالنا عن الضرر المعنوي.
هل يمنع توقيع نموذج الموافقة محاسبة الطبيب؟
لا. الموافقة على العلاج لا تعني التنازل عن المحاسبة على الخطأ. فهي تشمل المخاطر المعتادة التي شُرحت فعلاً، ولا تشمل الإهمال أو الخروج عن الأصول، وشرط الإعفاء من المسؤولية عن الخطأ الجسيم لا يحميه القانون عادة.
هل لشركة التأمين الصحي دور إذا عالجتني عيادة ضمن شبكتها؟
قد يغطي التأمين كلفة العلاج، ولكن مسؤولية الخطأ الطبي تظل على الطبيب والعيادة. وإذا رفض المؤمّن تغطية علاج تصحيحي فراجع مقالنا عن رفض مطالبات التأمين الصحي وكيفية الاعتراض.
هل يمكنني نشر تجربتي السيئة على وسائل التواصل؟
ننصح بالحذر؛ فالتعبير عن رأي مشروع شيء، والاتهام بما لا تستطيع إثباته أو الألفاظ المسيئة قد يعرض صاحبه للمساءلة عن القذف أو التشهير. اجعل مسارك القانوني هو الأساس، وراجع مقالنا عن التقييمات السلبية.
خاتمة
خلاصة القول أن الألم بعد علاج الأسنان ليس دليلاً على الخطأ، وأن نجاح العلاج ليس شرطاً لانتفاء المسؤولية، وأن الفيصل هو سلوك الطبيب قياساً على الأصول العلمية المتعارف عليها في مهنته، وما أحاطه به من إعلام وموافقة، وما دوّنه في ملفه وما صوّره في أشعته. فمن أراد حقه فعليه أن يبدأ بالملف والأشعة قبل أي شيء، لأن الدعوى الطبية تُبنى على الورق والصور والخبرة لا على الانطباع.
وأما العيادة فلا تستطيع التخفي خلف الطبيب، ولا الطبيب خلف العيادة، فهما مسؤولان بحسب العلاقة بينهما وبين المريض، ويستفيد المضرور من تعدد المدينين. ومن الحكمة أن تُختار وسيلة المطالبة بميزان الضرر والكلفة والغاية: شكوى إدارية لتصحيح الأوضاع، ودعوى مدنية للتعويض، وبلاغ جزائي حين يقتضيه جسامة الضرر.
وللقارئ الذي لم يقع له ضرر نقول: اسأل عن ترخيص العيادة والطبيب، واطلب خطة علاج مكتوبة وتقديراً للتكلفة، واقرأ نموذج الموافقة قبل توقيعه، واحتفظ بنسخة من الأشعة، فهذه الاحتياطات البسيطة تحميك قبل الخلاف وتقوي موقفك إن وقع.
تنبيه قانوني
هذا المقال معلومات قانونية عامة عن القانون الكويتي ولا يُعد استشارة قانونية، ولا ينشئ علاقة بين القارئ والمكتب. وتخضع الأحكام الواردة فيه للتعديل التشريعي وللتطبيق القضائي على وقائع كل حالة، ولا يغني عن دراسة المستندات والملف الطبي وتقرير الخبرة.
إذا تعرضت لخطأ في علاج الأسنان، فإن فريق يمناك لأعمال المحاماة يدرس ملفك وأشعتك، ويحدد المسؤولين، ويصيغ الإنذار والشكوى والدعوى، ويتابع الخبرة حتى صدور الحكم. تواصل معنا عبر صفحة اتصل بنا أو احجز موعداً لدراسة حالتك.