تنشأ الملكية الشائعة في أحوال كثيرة: بالميراث حين يخلّف المورّث عقارًا بين ورثته، أو بالشراء المشترك بين أكثر من شخص، أو بالهبة والوصية لجماعة. وهي حالة قانونية تصلح للاستمرار ما دام الشركاء متفقين، لكنها سرعان ما تتحول إلى مصدر نزاع حين تتباين الرغبات بين من يريد البيع ومن يريد الاحتفاظ، ومن يستغل المال بمفرده ومن يُحرم من غلته. ولذلك أحاط المشرّع الكويتي هذه الحالة بأحكام تفصيلية في القانون المدني رقم 67 لسنة 1980، جوهرها ألا يُجبر أحد على البقاء في الشيوع. ويستعرض هذا المقال حقوق الشركاء وطرق إنهاء الشيوع.
طبيعة الملكية الشائعة وحقوق الشريك
في الشيوع لا يملك الشريك جزءًا مفرزًا من المال، بل حصة شائعة في كل ذرة منه، وعلى هذا الأساس تُبنى حقوقه والتزاماته:
- التصرف في الحصة: للشريك أن يتصرف في حصته الشائعة بالبيع أو الرهن أو الهبة دون حاجة إلى إذن باقي الشركاء، لأنها حق خالص له.
- التصرف في المال ذاته: لا يجوز لشريك أن يتصرف في جزء مفرز من المال الشائع بغير موافقة الباقين، فإن فعل توقّف نفاذ تصرفه على نتيجة القسمة.
- الاستعمال: لكل شريك أن يستعمل المال الشائع بما لا يضر بحقوق الشركاء ولا يغيّر الغرض المخصص له، فلا ينفرد أحدهم بالانتفاع الكامل ويحرم الباقين.
- الغلة والنفقات: يستحق كل شريك من ثمار المال بقدر حصته، ويتحمل من تكاليف الحفظ والصيانة والضرائب بالنسبة ذاتها.
- الشفعة: قد ينشأ للشريك حق الشفعة عند بيع شريك آخر حصته لأجنبي، وفق الشروط والمواعيد التي يحددها القانون.
إدارة المال الشائع
تثير الإدارة اليومية للمال الشائع إشكالات عملية متكررة، ونظّمها القانون بالتفريق بين نوعين من الأعمال:
- أعمال الإدارة المعتادة: كتأجير المال أو صيانته أو تحصيل غلته، وتصدر بقرار أغلبية الشركاء محسوبة على أساس قيمة الحصص لا عددهم، ويكون القرار ملزمًا للجميع.
- أعمال التصرف والتغيير الجوهري: كبيع المال كله أو رهنه أو تغيير الغرض المخصص له، وتستلزم إجماع الشركاء لمساسها بأصل الحق.
- تعيين مدير: يجوز للشركاء الاتفاق على تعيين أحدهم أو أجنبي لإدارة المال، وتحديد صلاحياته وأجره.
- تدخل القضاء: إذا تعذر الاتفاق أو امتنعت الأغلبية عن اتخاذ ما يلزم لحفظ المال، جاز لمن يعنيه الأمر اللجوء إلى القضاء لاتخاذ التدابير المناسبة، بما في ذلك تعيين حارس قضائي.
ومن الأخطاء الشائعة أن يتصرف الشريك الحائز للمال باعتباره مالكًا منفردًا، فيؤجره ويقبض الأجرة دون محاسبة، وهو ما يرتب في ذمته دينًا لباقي الشركاء يمكن المطالبة به بدعوى مستقلة.
قاعدة عدم الإجبار على البقاء في الشيوع
أرسى القانون مبدأً أساسيًا مؤداه أن الشيوع حالة مؤقتة بطبيعتها لا يُجبر عليها أحد:
- لكل شريك أن يطلب القسمة في أي وقت، ولا يُحتج عليه بأن الشيوع قائم منذ زمن طويل.
- يجوز الاتفاق على البقاء في الشيوع مدة محددة لا تتجاوز الحد الذي يقرره القانون، ويكون هذا الاتفاق ملزمًا خلال تلك المدة.
- يرد على القاعدة استثناء فيما لا يقبل القسمة بطبيعته، كالأجزاء المشتركة في العمارات المقسمة إلى شقق، والمداخل والسلالم والأسطح.
- لا تُسمع دعوى القسمة إذا كان من شأنها إلحاق ضرر جسيم بالمال يفقده الغرض المخصص له، وحينها يكون المخرج هو التصفية.
القسمة الرضائية والقسمة القضائية
تنتهي حالة الشيوع بالقسمة، ولها طريقان يختلفان في الكلفة والزمن والأثر:
- القسمة الرضائية: تتم باتفاق جميع الشركاء على توزيع المال، وهي الأسرع والأقل كلفة. ويُشترط لصحتها أهلية جميع الأطراف، فإذا كان بينهم قاصر أو محجور عليه لزم استيفاء الإجراءات المقررة لحماية أمواله.
- القسمة القضائية: يُلجأ إليها عند تعذر الاتفاق، فيرفع من يريد الخروج من الشيوع دعوى قسمة يختصم فيها جميع الشركاء، ويجب اختصامهم كافةً وإلا كانت الدعوى غير مقبولة.
- دور الخبرة: تندب المحكمة خبيرًا لبيان ما إذا كان المال يقبل القسمة عينًا دون نقص كبير في قيمته، ولتقدير قيمته وتحديد الأنصبة.
- القرعة: إذا أمكنت القسمة عينًا وتساوت الأنصبة، جرى توزيعها بالقرعة منعًا للمحاباة.
القسمة عينًا والقسمة بالتصفية والتعويض بمعدّل
لا تتخذ القسمة صورة واحدة، بل تتحدد بحسب طبيعة المال وقابليته للتجزئة:
- القسمة عينًا: الأصل المفضل، بأن يُفرز لكل شريك جزء مستقل يعادل حصته، وهي ممكنة في الأراضي الواسعة والمنقولات المثلية.
- التعويض بمعدّل: إذا تعذر تحقيق المساواة التامة بين الأنصبة عينًا، جاز تكملة نصيب من نقص عن حصته بمبلغ نقدي يدفعه من زاد نصيبه، ويسمى المعدّل.
- القسمة بالتصفية: إذا ثبت أن المال لا يقبل القسمة عينًا، أو أن قسمته تنقص قيمته نقصًا كبيرًا، أمرت المحكمة ببيعه بالمزاد العلني وتوزيع الثمن على الشركاء بنسبة حصصهم.
- أولوية الشركاء: قد يقتصر المزاد على الشركاء إذا طلبوا ذلك، بما يتيح لمن يرغب في الاحتفاظ بالمال أن يضم إليه حصص الباقين.
ويترتب على القسمة أثر كاشف لا ناقل، بمعنى أن الشريك يُعدّ مالكًا لما آل إليه منذ بدء الشيوع لا من تاريخ القسمة، وهو مبدأ ذو أثر عملي مهم في تحديد أثر التصرفات التي صدرت أثناء الشيوع.
نصائح عملية للشركاء في المال الشائع
- وثّقوا اتفاقكم على الإدارة والانتفاع كتابةً منذ البداية، فالاتفاق المكتوب يجنّبكم أغلب النزاعات لاحقًا.
- احتفظوا بسجل للنفقات والغلة، فدعوى المحاسبة تحتاج إلى مستندات لا إلى ذكريات.
- قبل رفع دعوى القسمة، احصلوا على تقدير مبدئي لقيمة المال ومدى قابليته للتجزئة، فذلك يوجّه اختياركم بين القسمة والتصفية.
- تأكدوا من اختصام جميع الشركاء وورثة المتوفى منهم، فإغفال أحدهم يهدم الدعوى.
- إذا كان بين الشركاء قاصر، بادروا إلى استيفاء الإجراءات المقررة لحماية نصيبه قبل أي تصرف.
- ادرسوا خيار التصالح على شراء حصص الآخرين، فهو غالبًا أقل كلفة من المزاد العلني الذي قد يبيع المال بأقل من قيمته السوقية.
إن نزاعات المال الشائع من أكثر النزاعات إرهاقًا لصلات القرابة، وحلّها المبكر بالتراضي أفضل من طول التقاضي. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة المشورة في تسوية الشيوع وصياغة اتفاقات القسمة الرضائية، ويتولى دعاوى القسمة والمحاسبة أمام المحاكم بما يحفظ حقوق الشركاء جميعًا.