حين يحصل الدائن على سند بحقه، يظن أن المعركة انتهت، ثم يكتشف أن المدين قد أفرغ ذمته من الأموال: باع عقاره لقريب بثمن بخس، أو تقاعس عن المطالبة بحقوق له عند الغير، أو أبرم عقودًا ظاهرها البيع وحقيقتها الإخفاء. ولمواجهة هذه الصور، وضع القانون المدني الكويتي رقم 67 لسنة 1980 منظومة متكاملة من الوسائل التي تمكّن الدائن من المحافظة على الضمان العام لحقه وتعقّب ما خرج منه بغير حق. ويستعرض هذا المقال هذه الوسائل وشروط كل منها وآثارها العملية.
الضمان العام: أساس حماية الدائن
تقوم فكرة حماية الدائن على مبدأ أن أموال المدين جميعها ضامنة للوفاء بديونه، وهو ما يُعرف بالضمان العام:
- شمول الضمان: يشمل الضمان العام أموال المدين الحاضرة والمستقبلة، فلا يقتصر على ما كان في ذمته وقت نشوء الدين.
- المساواة بين الدائنين: الأصل أن جميع الدائنين العاديين متساوون في الضمان، ويقتسمون أموال المدين قسمة غرماء إن لم تكفِ لسداد الجميع.
- حقوق الأولوية: يخرج عن هذا الأصل الدائنون أصحاب التأمينات العينية كالرهن والامتياز، فلهم التقدم على غيرهم في استيفاء حقوقهم من محل التأمين.
- حرية المدين النسبية: يبقى المدين حرًا في إدارة أمواله والتصرف فيها، ولا يجوز للدائن التدخل في إدارته إلا في الحالات التي حددها القانون حمايةً للضمان.
ومن هذا التوازن بين حرية المدين وحماية الدائن، نشأت الوسائل التالية بوصفها استثناءات منظمة لا تُستعمل إلا بشروطها.
الدعوى غير المباشرة
قد لا يكون المدين قد أخرج شيئًا من ذمته، لكنه يتقاعس عن إدخال ما يستحقه، كأن يمتنع عن مطالبة مدينه أو عن قبول تركة أو عن رفع دعوى بحق له، إضرارًا بدائنيه أو إهمالًا:
- مضمون الدعوى: يستعمل الدائن حقوق مدينه باسم مدينه لا باسمه هو، فيرفع الدعوى نائبًا عنه لإدخال المال في ذمته.
- شرط سكوت المدين: يُشترط أن يكون المدين قد امتنع عن استعمال حقه، فإن باشره بنفسه انتفت الحاجة إلى تدخل الدائن.
- شرط الإعسار: يُشترط أن يكون سكوت المدين قد أدى إلى إعساره أو زاد في إعساره، فلا مصلحة للدائن في التدخل ما دام في أموال المدين ما يكفي.
- الحقوق المستثناة: لا يجوز للدائن استعمال الحقوق المتصلة بشخص المدين اتصالًا وثيقًا، كالحق في طلب التطليق أو في التعويض عن الضرر الأدبي.
- أثر الدعوى: يدخل ما يُحصَّل في الضمان العام لجميع الدائنين، فلا يستأثر به الدائن الرافع، وهذا أهم فروقها عن الدعوى البوليصية.
دعوى عدم نفاذ التصرف (الدعوى البوليصية)
هي أقوى وسائل الحماية وأكثرها استعمالًا، وتُوجَّه ضد تصرف حقيقي صدر من المدين إضرارًا بدائنيه:
- سبق نشوء الدين: يُشترط أن يكون حق الدائن سابقًا على التصرف المطعون فيه، إذ لا يُتصور الإضرار بدائن لم يكن موجودًا وقت التصرف.
- إفقار المدين: أن يكون التصرف قد أنقص من أموال المدين أو زاد في التزاماته على نحو أدى إلى إعساره أو زاد فيه.
- غش المدين: ويتحقق بعلمه أن تصرفه يؤدي إلى إعساره، ولا يُشترط قصد الإضرار بذاته.
- موقف المتصرف إليه: إذا كان التصرف بعوض، اشتُرط لعدم نفاذه أن يكون المتصرف إليه عالمًا بغش المدين. أما إذا كان التصرف تبرعًا كالهبة، فلا يُشترط علمه، لأن التبرع لا يُحمى في مواجهة الدائن المتضرر.
- أثر الحكم: لا يبطل التصرف بين طرفيه، وإنما لا ينفذ في حق الدائن الرافع وحده، فيتمكن من التنفيذ على المال كأنه باقٍ في ملك المدين.
ويقع على الدائن عبء إثبات هذه الشروط، ويُستعان في الإثبات بالقرائن، كالبيع بثمن بخس، أو البيع لقريب من الدرجة الأولى، أو تزامن التصرف مع مطالبة قضائية، أو احتفاظ المدين بحيازة المال بعد بيعه.
الصورية والحق في إثباتها
الصورية تختلف جوهريًا عن الدعوى البوليصية، فالتصرف هنا غير حقيقي أصلًا:
- الصورية المطلقة: لا يوجد تصرف على الحقيقة، وإنما ظاهر لا وجود له، كبيع صوري لإخفاء المال عن الدائنين مع بقاء الملكية للبائع في الواقع.
- الصورية النسبية: يوجد تصرف حقيقي لكنه أُخفي تحت ستار تصرف آخر، كإخفاء الهبة في صورة بيع تهربًا من أحكام معينة.
- حق الدائن في الاختيار: للدائن أن يتمسك بالعقد الظاهر أو بالعقد المستتر، بحسب ما يحقق مصلحته.
- الإثبات: للدائن بوصفه من الغير أن يثبت الصورية بجميع طرق الإثبات بما فيها البينة والقرائن، ولا يُلزم بالكتابة، بخلاف طرفي العقد.
- أثر الحكم: يُكشف الوضع الحقيقي فيُعد المال باقيًا في ملك المدين، فيتمكن الدائن من التنفيذ عليه.
الحق في الحبس والإجراءات التحفظية
إلى جانب الدعاوى الموضوعية، توجد وسائل وقائية تحفظ الضمان قبل ضياعه:
- الحق في الحبس: لمن التزم بأداء شيء أن يمتنع عن تسليمه حتى يستوفي ما هو مستحق له بسبب هذا الشيء، وهو ضغط مشروع لا يُعدّ امتناعًا غير مشروع.
- الحجز التحفظي: يمكّن الدائن من تجميد أموال المدين قبل صدور الحكم متى خشي فقدان ضمانه، ويتحول إلى حجز تنفيذي بعد الحكم.
- حجز ما للمدين لدى الغير: ويوقع على مستحقات المدين لدى البنوك أو جهة عمله أو مدينيه.
- التدخل في التصفية والقسمة: للدائن أن يتدخل في إجراءات قسمة يجريها مدينه ليمنع الغبن الذي يضر بضمانه.
- اتخاذ التدابير التحفظية: كطلب وضع الأختام أو قيد حق في السجلات المخصصة منعًا من التصرف.
نصائح عملية للدائن
- راقبوا الوضع المالي للمدين قبل الوصول إلى مرحلة النزاع، فسرعة الاكتشاف هي العامل الحاسم في نجاح هذه الدعاوى.
- احصلوا على صورة من صحيفة العقار أو السجلات ذات الصلة لرصد أي تصرف تم بعد نشوء الدين.
- وثّقوا تاريخ نشوء الدين بدقة، فهو الشرط الأول في الدعوى البوليصية.
- لا تتأخروا في اتخاذ الإجراءات التحفظية، فالحجز المبكر أنفع من دعوى طويلة بعد تبدد المال.
- اجمعوا القرائن الدالة على الغش والصورية منذ البداية: أسعار البيع، صلة القرابة، استمرار الحيازة، توقيت التصرف.
- راعوا المواعيد المقررة لرفع هذه الدعاوى، فسقوط الحق بالتقادم يهدم أقوى الدفوع.
إن حماية حق الدائن لا تبدأ من مرحلة التنفيذ بل من لحظة نشوء الدين، والوعي بهذه الوسائل واستعمالها في وقتها هو الفارق بين حق يُستوفى وحق يبقى حبرًا على ورق. ويتولى فريق يمناك لأعمال المحاماة دراسة الملفات المالية للمدينين واتخاذ الإجراءات التحفظية ورفع دعاوى عدم نفاذ التصرف والصورية، بما يعيد إلى الضمان العام ما خرج منه بغير حق.