يبدأ كثير من الناس علاقتهم بالمحامي دون اتفاق مكتوب على الأتعاب، اعتمادًا على الثقة أو استعجالًا لظرف الدعوى، ثم ينشأ الخلاف لاحقًا حول المستحق ونطاق العمل ومصير ما دُفع عند انتهاء العلاقة قبل أوانها. والحقيقة أن وضوح الاتفاق منذ البداية يخدم الطرفين: يطمئن الموكّل إلى ما سيدفعه ومقابل ماذا، ويحفظ للمحامي حقه في أتعاب عمله. وتخضع هذه العلاقة في دولة الكويت لأحكام قانون تنظيم مهنة المحاماة أمام المحاكم إلى جانب القواعد العامة في الوكالة. ويشرح هذا المقال هذه العلاقة من زاوية تهم الموكّل بالدرجة الأولى.
طبيعة العلاقة بين المحامي وموكله
هي في جوهرها عقد وكالة بأجر ترد عليه أحكام خاصة تفرضها طبيعة المهنة:
- التزام ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة: يلتزم المحامي ببذل العناية التي يبذلها المحامي الحريص في ظروف مماثلة، ولا يضمن كسب الدعوى، إذ إن النتيجة رهن بتقدير المحكمة وبوقائع الدعوى وأدلتها.
- الطابع الشخصي: يُختار المحامي لشخصه وخبرته، ولذلك لا يجوز له أن ينيب غيره في جوهر العمل دون إذن الموكّل ما لم يكن ذلك مأذونًا به في الاتفاق أو مقتضى بطبيعة الإجراء.
- الاستقلال المهني: يلتزم المحامي بأصول المهنة وبواجبه تجاه العدالة، فلا يجوز أن يطيع الموكّل في تقديم ما يعلم أنه مزوّر أو في إبداء ما يعلم أنه كذب.
- الوكالة الرسمية: تمثيل الموكّل أمام المحاكم يستلزم توكيلًا رسميًا محدد النطاق، ويُنصح بتحديد صلاحياته بدقة، ولا سيما في التصالح والتنازل وقبض المبالغ.
اتفاق الأتعاب: ما الذي يجب أن يتضمنه
الاتفاق المكتوب هو الضمانة الأولى للطرفين، وينبغي أن يعالج ما يلي بوضوح:
- نطاق العمل: تحديد ما يشمله الاتفاق بدقة، هل هو درجة تقاضٍ واحدة أم يشمل الاستئناف والتمييز؟ وهل يشمل مرحلة التنفيذ؟ فالغموض هنا مصدر أغلب الخلافات.
- مقدار الأتعاب وطريقة احتسابها: مبلغ مقطوع أو بحسب ساعات العمل أو مراحل الدعوى، مع بيان مواعيد الاستحقاق.
- المصروفات: التمييز الواضح بين الأتعاب والمصروفات القضائية والرسوم وأتعاب الخبراء والترجمة، فهذه الأخيرة يتحملها الموكّل عادةً ولا تدخل في الأتعاب.
- الدفعات: جدول السداد وما يُدفع مقدمًا وما يُستحق عند كل مرحلة.
- مصير الأتعاب عند الإنهاء المبكر: ما المستحق إذا عزل الموكّل المحامي أو اعتزل المحامي أو انتهت الخصومة صلحًا؟ وهذا من أهم البنود وأكثرها إغفالًا.
- ضريبة القيمة أو الرسوم: بيان ما إذا كان المبلغ شاملًا لأي رسوم مضافة.
ويُنصح بأن يُحرَّر الاتفاق من نسختين موقّعتين، وأن يحصل الموكّل على نسخته، وأن يُوثَّق كل تعديل لاحق كتابةً لا شفاهةً.
ضوابط تقدير الأتعاب
ليس تقدير الأتعاب متروكًا لمحض الإرادة، بل تحكمه اعتبارات مهنية وقضائية:
- معايير التقدير: يُراعى في تقدير الأتعاب الجهد المبذول والوقت المستغرق وأهمية القضية وقيمتها ودرجة تعقيدها وخبرة المحامي والعرف المهني السائد.
- عدم المغالاة: لا يجوز أن تكون الأتعاب مبالغًا فيها إلى حد يخل بأصول المهنة، وللجهة المختصة والقضاء رقابة على ذلك.
- الأتعاب المرتبطة بالنتيجة: يخضع الاتفاق الذي يربط الأتعاب بنتيجة الدعوى لضوابط مهنية، ولا يجوز أن يتحول إلى مشاركة في محل النزاع على نحو يخالف أصول المهنة.
- حظر شراء الحقوق المتنازع عليها: لا يجوز للمحامي أن يشتري الحق المتنازع فيه الذي يباشره لموكله، منعًا لتضارب المصالح.
التزامات المحامي المهنية
مقابل الأتعاب، تقع على المحامي واجبات جوهرية يحق للموكّل مساءلته عن الإخلال بها:
- السرية المهنية: التزام مطلق بكتمان ما يطّلع عليه بسبب مهنته، ويستمر بعد انتهاء الوكالة، ولا يجوز إفشاؤه إلا في الأحوال التي يجيزها القانون.
- تجنب تعارض المصالح: لا يجوز للمحامي أن يقبل الوكالة عن خصم موكله في النزاع ذاته أو في نزاع متصل به، ولا أن يستعمل معلومات موكله السابق ضده.
- إعلام الموكّل: إحاطة الموكّل بمجريات القضية والمواعيد والمخاطر والفرص، وإبلاغه بأي عرض تسوية دون إبطاء.
- مراعاة المواعيد: وهو أخطر ما يقع فيه الإخلال، إذ إن تفويت ميعاد الطعن قد يُسقط حق الموكّل نهائيًا ويرتب مسؤولية المحامي.
- المحافظة على المستندات: حفظ أصول مستندات الموكّل وردها إليه عند انتهاء الوكالة.
- الفصل بين الأموال: عدم خلط المبالغ المقبوضة لحساب الموكّل بأموال المحامي الخاصة، وردها إليه فور استحقاقها.
العزل والاعتزال وحق الحبس
قد تنتهي العلاقة قبل انتهاء القضية، ولذلك أحكام يجب فهمها مسبقًا:
- حق الموكّل في العزل: للموكّل أن يعزل محاميه في أي وقت لأن الوكالة قائمة على الثقة، لكن العزل في وقت غير مناسب أو بلا مبرر قد يرتب مسؤوليته عن تعويض المحامي.
- اعتزال المحامي: للمحامي أن يعتزل الوكالة، لكن عليه أن يختار وقتًا لا يضر بموكله وأن يخطره في وقت كافٍ ليدبّر أمره، ولا سيما قبل المواعيد الحاسمة.
- حق الحبس: للمحامي حبس مستندات موكله ضمانًا لاستيفاء أتعابه المستحقة، غير أن هذا الحق مقيد بألا يؤدي إلى ضرر جسيم بالموكّل كتفويت ميعاد طعن.
- تسليم الملف: عند انتهاء العلاقة يُنصح بتحرير محضر استلام وتسليم يُثبت ما سُلّم من مستندات وما تم من إجراءات وما بقي من مواعيد.
منازعات الأتعاب وسبل تسويتها
عند الاختلاف على الأتعاب، ثمة مسارات متدرجة يُنصح بسلوكها بالترتيب:
- التسوية المباشرة: مراجعة الاتفاق وتحديد ما أُنجز فعلًا، فأغلب الخلافات تنشأ من اختلاف الفهم لنطاق العمل لا من سوء نية.
- الوساطة المهنية: اللجوء إلى الجهة المهنية المختصة للتوفيق بين الطرفين قبل التقاضي.
- التقدير القضائي: عند تعذر الاتفاق، يُطرح النزاع على القضاء الذي يقدّر الأتعاب المستحقة في ضوء المعايير المهنية وما بُذل من جهد فعلي.
- دعوى المسؤولية: إذا لحق الموكّل ضرر من خطأ مهني جسيم، كتفويت ميعاد أو إهمال إجراء جوهري، جاز له المطالبة بالتعويض، ويقوم الإثبات على بيان الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما.
نصائح عملية للموكّل
- لا تبدأوا العمل دون اتفاق أتعاب مكتوب مهما كان الظرف مستعجلًا.
- اسألوا صراحةً عن نطاق الاتفاق ودرجات التقاضي المشمولة، ولا تفترضوا شمولها.
- احصلوا على إيصال بكل مبلغ تدفعونه، ولا تدفعوا دون سند.
- احتفظوا بنسخة من كل مستند تسلّمونه لمحاميكم قبل تسليم الأصل.
- اطلبوا تحديثًا دوريًا مكتوبًا عن سير القضية ومواعيدها.
- لا تتردّدوا في طلب رأي ثانٍ في القضايا الكبيرة، فذلك حق مشروع لا يمس الثقة.
إن وضوح العلاقة بين المحامي وموكّله منذ اليوم الأول هو أساس تعاون مثمر يحفظ حق الطرفين. ويحرص فريق يمناك لأعمال المحاماة على تحرير اتفاق أتعاب مكتوب وواضح النطاق مع كل موكّل، وعلى إحاطته بمجريات قضيته أولًا بأول، بما يرسّخ الثقة ويجنّب الخلاف.