تملك الدولة أموالًا هائلة تتنوع بين شواطئ وطرق وميادين ومبانٍ حكومية وأراضٍ فضاء ومنشآت مرفقية، وهي أموال تخضع لنظام قانوني خاص يختلف عن نظام ملكية الأفراد. فالمال العام لا يُباع ولا يُحجز عليه ولا يُكتسب بالتقادم مهما طالت مدة وضع اليد عليه، وهو ما يجهله كثيرون فيقعون في تعديات تنتهي بقرارات إزالة ومطالبات مالية. وينظم هذا الموضوع في دولة الكويت القانون رقم 105 لسنة 1980 في شأن نظام أملاك الدولة وما يتصل به من تشريعات. ويوضح هذا المقال التمييز بين نوعي المال العام والخاص والآثار المترتبة على ذلك.
التمييز بين المال العام والمال الخاص للدولة
ليست كل أموال الدولة سواء، فالتمييز بينها هو مفتاح فهم النظام القانوني المطبق:
- المال العام: هو المال المخصص للمنفعة العامة، سواء بالتخصيص الفعلي أو بموجب أداة قانونية، كالطرق والشوارع والشواطئ والحدائق العامة والمباني المخصصة للمرافق.
- المال الخاص: هو ما تملكه الدولة ملكية خاصة دون تخصيص للنفع العام، كالأراضي التي تحتفظ بها للاستثمار أو المباني المؤجرة، وتخضع لأحكام أقرب إلى قواعد القانون الخاص مع بعض القيود.
- معيار التخصيص: العبرة بتخصيص المال للمنفعة العامة لا بشكل الملكية، وقد يتحول المال الخاص إلى عام بتخصيصه، كما قد ينتهي التخصيص فيعود المال إلى الدائرة الخاصة.
- أثر التمييز: يترتب على وصف المال بأنه عام حماية مشددة لا يتمتع بها المال الخاص، وهو ما نتناوله في الفقرة التالية.
خصائص المال العام وحمايته
يتمتع المال العام بحماية استثنائية تقوم على ثلاث قواعد راسخة يعبّر عنها الفقه بأنها ركائز النظام:
- عدم جواز التصرف: لا يجوز بيع المال العام أو رهنه أو التبرع به ما دام مخصصًا للمنفعة العامة، وأي تصرف يقع عليه يكون باطلًا بطلانًا مطلقًا لا تلحقه الإجازة.
- عدم جواز التملك بالتقادم: لا يكسب واضع اليد ملكية المال العام مهما طالت المدة واستقرت الحيازة، فحيازته لا تنتج أثرًا قانونيًا.
- عدم جواز الحجز: لا يجوز لدائني الدولة الحجز على المال العام استيفاءً لحقوقهم، حمايةً لاستمرار المرفق العام.
- الحماية الجنائية والإدارية: يُجرّم الاعتداء على المال العام، وللجهة الإدارية سلطة إزالة التعدي بالطريق الإداري دون حاجة إلى حكم قضائي مسبق.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحماية مقررة للمصلحة العامة لا لمصلحة الجهة الإدارية ذاتها، ولذلك تتعلق بالنظام العام وتقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها.
صور التعدي على أملاك الدولة
تتنوع صور التعدي بين ما هو ظاهر جسيم وما يبدو بسيطًا لكنه يحمل الوصف ذاته:
- البناء على أرض حكومية: إقامة منشآت ثابتة على أرض مملوكة للدولة دون سند قانوني.
- ضم أجزاء من الطريق أو الرصيف: بتوسيع سور أو مظلة أو مدخل على حساب المساحة العامة، وهي أكثر الصور شيوعًا.
- الاستعمال التجاري للمساحات العامة: كوضع طاولات أو بضائع أو لوحات إعلانية على الأرصفة دون ترخيص.
- التعدي على الشواطئ والسواحل: بإقامة حواجز أو منشآت تحدّ من ارتفاق الجمهور بالشاطئ.
- مخالفة شروط الانتفاع: بأن يحصل الشخص على ترخيص انتفاع لغرض محدد ثم يستعمله في غرض آخر أو يتنازل عنه للغير دون موافقة.
- التعدي على شبكات المرافق: كالتوصيلات غير المشروعة أو البناء فوق مسارات الخدمات.
إجراءات الإزالة الإدارية وضماناتها
منح المشرّع الجهة الإدارية سلطة مواجهة التعدي مباشرة، لكنه قيّدها بضمانات إجرائية لا يجوز إغفالها:
- المعاينة والإثبات: يبدأ الإجراء بمحضر يثبت واقعة التعدي وموقعه ومساحته، ويُعدّ هذا المحضر أساس ما يليه.
- الإنذار: تُنذر الجهة المتعدي بإزالة التعدي خلال مهلة محددة، وهو إجراء جوهري يُبطل القرار إغفاله في غير حالات الخطر الداهم.
- قرار الإزالة: يصدر مسببًا ومحددًا لمحل التعدي، ويُنفَّذ بالطريق الإداري إذا لم يستجب المتعدي.
- التنفيذ على نفقة المخالف: تتحمل الجهة تكلفة الإزالة ثم ترجع بها على المتعدي، إضافة إلى مقابل الانتفاع عن مدة وضع اليد.
- الطعن القضائي: لصاحب الشأن الطعن على قرار الإزالة أمام الدائرة الإدارية، ويجوز له طلب وقف التنفيذ إذا توافر ركنا الجدية والاستعجال.
ومن المهم إدراك أن الطعن لا يوقف التنفيذ بذاته، ولذلك فإن المبادرة بطلب وقف التنفيذ مع الدعوى هي الخطوة العملية الحاسمة لمن يرى أن القرار مشوب بعيب.
الانتفاع بأملاك الدولة وضوابطه
لا يعني حظر التصرف في المال العام منع الانتفاع به، بل نظّم القانون سبلًا مشروعة لذلك:
- ترخيص الانتفاع: إذن إداري مؤقت بالاستعمال، وهو بطبيعته قابل للإلغاء متى اقتضت المصلحة العامة، ولا يُنشئ حقًا مكتسبًا دائمًا لصاحبه.
- الإيجار: يرد على أموال الدولة الخاصة وفق ضوابط ومدد محددة، ويخضع لقواعد العلانية والمنافسة في الغالب.
- حق الانتفاع المقرر بأداة قانونية: كتخصيص أرض لجهة أو جمعية لغرض محدد، ويرتبط بقاؤه بتحقق الغرض.
- الالتزامات المقابلة: يلتزم المنتفع بسداد المقابل المقرر وبالمحافظة على المال وردّه بحالته عند انتهاء الترخيص.
نصائح عملية
- تحققوا من حدود ملكيتكم بالرجوع إلى وثيقة الملكية والكروكي الرسمي قبل أي بناء أو تسوير.
- لا تعتمدوا على وضع اليد الطويل كسند، فالتقادم لا يجري على المال العام مهما امتد.
- احصلوا على ترخيص كتابي قبل أي استعمال لمساحة عامة، ولو كان موسميًا أو مؤقتًا.
- عند تلقي إنذار بالإزالة، بادروا فورًا بالمراجعة القانونية بدل الانتظار، فالمهل قصيرة وحاسمة.
- احتفظوا بكل ترخيص أو موافقة سابقة وبإيصالات سداد مقابل الانتفاع.
- عند شراء عقار، افحصوا خلوه من أي تعدٍ على أملاك الدولة، فالمسؤولية قد تنتقل إلى المشتري.
إن التعامل مع أملاك الدولة يقتضي دقة في التوصيف والإجراءات، وخطأ بسيط في الحدود قد يتحول إلى قرار إزالة ومطالبة مالية كبيرة. ويتولى فريق يمناك لأعمال المحاماة دراسة أوضاع العقارات وفحص التعديات والطعن على قرارات الإزالة أمام الدائرة الإدارية، مع تقديم المشورة في تراخيص الانتفاع وعقود استغلال أملاك الدولة.