لا يكفي أن تُرصد الأموال العامة في الميزانية، بل يجب أن يُتحقق من إنفاقها في أوجهها المقررة ووفق الإجراءات المنظمة. ولهذه الغاية أنشأ المشرّع الكويتي ديوان المحاسبة بموجب القانون رقم 30 لسنة 1964، وجعله جهازًا مستقلًا يعاون مجلس الأمة والحكومة في رقابة تحصيل إيرادات الدولة وإنفاق مصروفاتها. وكثير من الموظفين في الجهات الحكومية يتعاملون مع ملاحظات الديوان دون إدراك كامل لطبيعتها القانونية وآثارها، فيتعاملون معها بوصفها إجراءً شكليًا حتى يفاجَؤوا بمساءلة مالية أو تأديبية. ويشرح هذا المقال هذا النظام وضماناته.
الطبيعة القانونية للديوان واستقلاله
يتميز الديوان بمركز دستوري وقانوني خاص يميزه عن أجهزة الرقابة الإدارية العادية:
- الاستقلال: يتمتع الديوان باستقلال في أداء مهامه، ولا يخضع لسلطة الجهات التي يراقبها، وهو شرط جوهري لفاعلية الرقابة.
- الارتباط: يرتبط الديوان بالسلطة التشريعية ويقدّم تقاريره إليها، بما يجعل رقابته أداة من أدوات الرقابة البرلمانية على الأداء المالي للحكومة.
- طبيعة عمله: رقابة مالية ومحاسبية وقانونية على التصرفات المالية، لا رقابة على ملاءمة السياسات، فهو لا يناقش جدوى القرار بل مشروعية تنفيذه وسلامته المالية.
- حق الاطلاع: للديوان حق الاطلاع على المستندات والسجلات وطلب البيانات والإيضاحات من الجهات الخاضعة، وامتناع الجهة عن التمكين يشكّل مخالفة.
الجهات الخاضعة للرقابة
يمتد نطاق رقابة الديوان ليشمل طيفًا واسعًا من الجهات:
- الوزارات والإدارات الحكومية: وهي النطاق الأصلي للرقابة.
- الهيئات والمؤسسات العامة: ذات الميزانيات المستقلة أو الملحقة.
- الشركات التي تساهم فيها الدولة: بنسبة معينة من رأس المال وفق ما يحدده القانون، حمايةً لحصة الدولة فيها.
- الجهات المدعومة: التي تتلقى إعانات أو ضمانات من الدولة، في حدود ما تلقته من دعم.
- الأثر العملي: ينبغي لكل جهة أن تحدد بدقة ما إذا كانت خاضعة للرقابة، لأن الخضوع يرتب التزامات إجرائية في التعاقد والصرف لا يجوز إغفالها.
الرقابة المسبقة والرقابة اللاحقة
يمارس الديوان نوعين من الرقابة يختلفان في التوقيت والأثر:
- الرقابة المسبقة: تقع قبل إتمام التصرف، وتشمل مراجعة مشروعات العقود والمناقصات وأوامر الصرف في الحدود التي يقررها القانون، وغايتها منع المخالفة قبل وقوعها.
- أثر الاعتراض المسبق: إذا اعترض الديوان على تصرف، توقف تنفيذه إلى أن تُستوفى الملاحظة أو تُتخذ الإجراءات المقررة لتجاوز الاعتراض وفق الأحكام المنظمة.
- الرقابة اللاحقة: تقع بعد التنفيذ بفحص المستندات والحسابات الختامية، وتنتهي بملاحظات تُبلَّغ للجهة وتُدرج في التقارير.
- التقرير السنوي: يعدّ الديوان تقريرًا سنويًا يتضمن أبرز الملاحظات والمخالفات ويُرفع إلى السلطة التشريعية، وله أثر رقابي وسياسي بالغ.
- متابعة الملاحظات: لا ينتهي دور الديوان بالإبلاغ، بل يتابع ما اتخذته الجهة من إجراءات تصحيحية.
المخالفات المالية
هي محور عمل الديوان، وتشمل صورًا محددة يتكرر وقوعها في الواقع العملي:
- مخالفة قواعد الصرف: الصرف من بند غير مخصص، أو تجاوز الاعتماد المقرر، أو الصرف دون سند مستندي كافٍ.
- مخالفة إجراءات التعاقد: تجزئة الأعمال لتفادي حد المناقصة، أو التعاقد المباشر دون توافر شروط الاستثناء، أو تعديل العقد بما يغيّر شروط المنافسة.
- الإهمال في تحصيل الإيرادات: عدم متابعة تحصيل مستحقات الجهة حتى تتقادم أو يتعذر تحصيلها.
- سوء إدارة الأصول: عدم جرد العهد والأصول أو إهمال صيانتها أو التصرف فيها بغير الطرق المقررة.
- مخالفات الرواتب والبدلات: صرف بدلات أو مكافآت بغير سند أو لغير مستحقيها.
- عدم مسك السجلات: إهمال الدفاتر والسجلات المالية أو مسكها بصورة لا تسمح بالمراجعة.
المسؤولية المالية وتمييزها
من أكثر ما يلتبس على الموظفين التمييز بين أنواع المسؤولية الثلاث:
- المسؤولية المالية: غايتها تعويض الخزانة العامة عما لحقها من ضرر، فيُلزم المسؤول برد المبلغ أو بتحمّل قيمة الضرر، وهي مسؤولية ذات طابع تعويضي لا عقابي.
- المسؤولية التأديبية: توقّعها جهة العمل وفق نظام الخدمة المدنية، وتتدرج من الإنذار إلى الفصل، وتستهدف الانضباط الوظيفي.
- المسؤولية الجزائية: تختص بها النيابة العامة والمحاكم، وتقوم عند توافر أركان جريمة كالاختلاس أو الإضرار العمدي بالمال العام أو الرشوة.
- إمكان الجمع: قد تجتمع المسؤوليات الثلاث عن الفعل ذاته، فلكل منها أساس وغاية مختلفة، ولا يمنع الحكم في إحداها من السير في الأخرى.
- الفارق العملي: قد يُسأل الموظف ماليًا عن إهمال لا يرقى إلى جريمة، فتقتصر المساءلة على رد المبلغ دون وصف جنائي.
ضمانات الموظف
لا تعني الرقابة إهدار حقوق الموظف، بل تحيطها ضمانات يجب التمسك بها:
- حق الاطلاع والرد: يجب إبلاغ الموظف بالملاحظة المنسوبة إليه وتمكينه من الرد كتابةً وتقديم مستنداته قبل تقرير أي مسؤولية.
- تسبيب القرار: يجب أن يكون قرار تحميل المسؤولية مسببًا محددًا للمخالفة والمبلغ والأساس القانوني.
- التناسب: أن يتناسب ما يُحمَّل به الموظف مع دوره الفعلي، فلا يُسأل عن قرار لم يكن له سلطة اتخاذه أو الاعتراض عليه.
- الطعن القضائي: القرارات الماسة بمركز الموظف قرارات إدارية تخضع لرقابة القضاء الإداري ويجوز الطعن عليها في المواعيد المقررة.
- عدم رجعية الأثر: لا يُسأل الموظف وفق قواعد لم تكن سارية وقت التصرف.
- حفظ التوقيع المعترض: إذا اعترض الموظف كتابةً على إجراء ثم نُفِّذ بأمر رئيسه، كان اعتراضه الموثّق أهم دليل في نفي مسؤوليته.
نصائح عملية للعاملين في الجهات الخاضعة
- وثّقوا كل تصرف مالي بمستند كافٍ، فأغلب الملاحظات تنشأ من نقص المستند لا من سوء النية.
- لا تنفّذوا أمرًا بالصرف تعتقدون مخالفته دون تسجيل ملاحظتكم كتابةً، فالتوقيع دون تحفظ يحمّلكم المسؤولية.
- احتفظوا بنسخ من مراسلاتكم واعتراضاتكم في ملف شخصي، فقد تُطلب بعد سنوات.
- ردّوا على ملاحظات الديوان في مواعيدها وبمستندات لا بتبريرات عامة.
- لا تجزّئوا التعاقدات لتفادي حدود المناقصة، فهي من أكثر المخالفات وضوحًا وأسهلها اكتشافًا.
- عند تلقي قرار بتحميلكم مسؤولية مالية، استشيروا محاميًا فورًا وراقبوا ميعاد الطعن.
إن الرقابة المالية ضمانة للمال العام وللموظف النزيه معًا، فالتوثيق السليم يحمي صاحبه قبل أن يدين غيره. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة المشورة للجهات والموظفين في مسائل الرقابة المالية والرد على الملاحظات، ويتولى الطعن على قرارات تحميل المسؤولية المالية والدفاع في التحقيقات التأديبية والجزائية المتصلة بالمال العام.