أصبحت البصمة الوراثية (DNA) من أبرز الأدلة العلمية التي تُعرض على المحاكم الكويتية، سواء في القضايا الجزائية لتحديد صلة شخص بمسرح الجريمة، أو في قضايا الأحوال الشخصية المتعلقة بالنسب. غير أن قوة هذا الدليل العلمية لا تعني أنه يحسم النزاع تلقائيًا؛ فقيمته القانونية تتوقف على سلامة جمعه وفحصه، وعلى تقدير المحكمة له في ضوء باقي أوراق الدعوى. نستعرض في هذا المقال الإطار العام لهذا الدليل وحدوده العملية.
ما البصمة الوراثية وكيف تُجمع وتُفحص؟
البصمة الوراثية هي نمط مميز في الحمض النووي يكاد ينفرد به كل شخص، باستثناء التوائم المتطابقة. ويمكن استخلاصها من الدم أو اللعاب أو الشعر أو الأنسجة أو غيرها من الآثار البيولوجية. وفي الكويت تتولى الإدارة العامة للأدلة الجنائية التابعة لوزارة الداخلية الجانب الفني من رفع الآثار من مسرح الجريمة وفحصها ومقارنتها وإعداد التقارير الفنية.
ومن أهم الضمانات في هذا المجال:
- سلسلة الحيازة: أي توثيق كل مرحلة تمر بها العينة منذ رفعها حتى فحصها، ومن تسلمها ومتى وكيف حُفظت، بما يضمن عدم العبث بها أو اختلاطها.
- مشروعية أخذ العينة: تؤخذ العينة من الشخص برضاه، أو بناءً على أمر من جهة التحقيق المختصة في الحدود التي يقررها القانون.
- التوثيق الفني: بيان المنهج المتبع ونتائج المطابقة ودرجة الاحتمال الإحصائي في التقرير.
حجية البصمة الوراثية في الإثبات الجزائي
يقوم الإثبات في المواد الجزائية على مبدأ حرية القاضي في تكوين عقيدته؛ فللمحكمة أن تستمد قناعتها من أي دليل تطمئن إليه ما دام مطروحًا في الجلسة ومشروع المصدر. وعليه يُعامل تقرير البصمة الوراثية بوصفه دليلًا علميًا من أدلة الدعوى، يخضع لتقدير المحكمة ولا يُلزمها بذاته.
ومن المهم التمييز بين أمرين: فتطابق البصمة يثبت في الغالب وجود أثر بيولوجي لشخص في مكان أو على شيء معين، لكنه لا يثبت بالضرورة كيف ومتى وصل هذا الأثر، ولا يثبت وحده ارتكاب الفعل أو القصد الجنائي. لذلك تنظر المحكمة إلى الدليل الوراثي في سياق باقي الأدلة، كأقوال الشهود والتحريات والظروف المحيطة، مع بقاء قاعدة أن الشك يُفسر لمصلحة المتهم.
الطعن في نتائج البصمة الوراثية
للدفاع أن يناقش التقرير الفني وأن يثير ما يمس سلامته، ومن أبرز أوجه ذلك:
- التلوث: احتمال اختلاط العينة بمواد بيولوجية أخرى أثناء الرفع أو النقل أو الفحص.
- انقطاع سلسلة الحيازة: وجود فجوات أو تناقضات في محاضر التحريز والتسليم.
- مشروعية الإجراء: مدى صحة أخذ العينة من المتهم ومطابقته للضوابط القانونية.
- قراءة النتائج: كون العينة مختلطة أو جزئية، أو المبالغة في تفسير درجة الاحتمال.
- طلب إعادة الفحص أو ندب خبير: يجوز للدفاع أن يطلب إعادة الفحص أو ندب خبير آخر، ويبقى تقدير إجابة هذا الطلب للمحكمة بحسب جديته وأثره في الدعوى.
قانون البصمة الوراثية لسنة 2015 وموقف المحكمة الدستورية
في عام 2015 صدر في الكويت قانون بشأن البصمة الوراثية تضمّن إلزامًا واسعًا بأخذ عينات الحمض النووي وحفظها في قاعدة بيانات، في سياق تعزيز الإجراءات الأمنية. وقد أثار هذا القانون نقاشًا واسعًا حول الخصوصية والحرية الشخصية. ولاحقًا طُعن عليه أمام المحكمة الدستورية، التي قضت بعدم دستورية الأحكام التي تقرر الإلزام العام بأخذ العينات، لما تمثله من مساس بالحق في الخصوصية والحرية الشخصية التي يكفلها الدستور.
والأثر العملي لذلك أن أخذ البصمة الوراثية لم يعد إجراءً عامًا يُفرض على الجميع، وإنما يبقى الاستعانة بها مرتبطًا بالتحقيقات والدعاوى وفق الضوابط القانونية. ونظرًا لدقة التفاصيل المتعلقة بنطاق الحكم وما تلاه، يُستحسن الرجوع إلى محامٍ عند وجود إجراء محدد بشأنك.
البصمة الوراثية في قضايا النسب
يستند قانون الأحوال الشخصية الكويتي إلى أحكام الشريعة الإسلامية، ومن أصولها المستقرة قاعدة «الولد للفراش»، أي أن الولد المولود على فراش زوجية صحيحة يُنسب إلى الزوج متى توافرت شروطه. والطريق الشرعي المعروف لنفي نسب هذا الولد هو اللعان بشروطه وإجراءاته أمام القضاء.
وفي ضوء ذلك، يتجه الرأي الغالب فقهًا وقضاءً إلى أن البصمة الوراثية لا تُقدَّم على الفراش الصحيح لنفي نسب ثابت به، بينما يمكن أن تكون قرينة معتبرة ومساعدة في حالات أخرى، كالتنازع على مجهول النسب، أو اشتباه المواليد، أو عند الحاجة إلى تعزيز الإثبات حيث لا يقوم فراش صحيح. ولا يزال الموضوع محل نقاش فقهي وقضائي في بعض جوانبه، ولذلك تختلف المعالجة بحسب وقائع كل دعوى، ولا يصح الاعتماد على قاعدة جامدة واحدة.
التعرف على الضحايا والمفقودين، والخصوصية
تؤدي البصمة الوراثية دورًا إنسانيًا مهمًا في التعرف على هويات ضحايا الحوادث والكوارث والمفقودين، عبر مقارنة الرفات بعينات مرجعية من الأقارب. وفي هذه الحالات تُقدَّم العينات عادة برضا الأسرة، ويجب أن تقتصر على الغرض الذي أُخذت من أجله.
وتبقى البيانات الوراثية من أشد البيانات الشخصية حساسية، إذ تكشف معلومات عن الشخص وأقاربه. لذلك فإن الرضا المستنير، وحصر الاستخدام في الغرض المشروع، وحماية سرية النتائج، مبادئ أساسية ينبغي مراعاتها في كل مراحل التعامل معها.
إرشادات عملية للمتهمين والأسر
- إذا طُلب منك تقديم عينة في تحقيق، فاستوضح الجهة الطالبة وصفتها وسند الطلب، واستشر محاميًا قبل التوقيع أو الإقرار بأي شيء.
- اطلب الاطلاع على التقرير الفني ومحاضر التحريز، وراجع تسلسل الإجراءات وتواريخها.
- لا تفترض أن نتيجة الفحص نهائية؛ فمناقشة التقرير وطلب إعادة الفحص من حقوق الدفاع.
- في قضايا النسب، لا تلجأ إلى فحوصات خاصة خارج الإطار القضائي بقصد الاحتجاج بها قبل استشارة قانونية، فقد لا يُعتد بها أو تثير إشكالات.
- احرص على حماية خصوصية نتائج أي فحص وعدم تداولها.
الخلاصة
البصمة الوراثية دليل علمي قوي، لكنها في القانون الكويتي ليست حكمًا مسبقًا؛ فهي تخضع في المواد الجزائية لتقدير القاضي ولضمانات سلامة الإجراء، وتقف في مسائل النسب عند حدود القواعد الشرعية وعلى رأسها قاعدة الفراش. هذا المقال معلومات عامة ولا يُعد استشارة قانونية.
إذا كنت طرفًا في قضية جزائية يُستند فيها إلى دليل وراثي، أو في دعوى نسب، فإن فريق يمناك لأعمال المحاماة يسعده دراسة وضعك وتقديم الاستشارة المناسبة لحماية حقوقك.