أغلب المنازعات العقدية لا تنشأ من إنكار العقد أو من رفض تنفيذه، بل من اختلاف الطرفين حول معنى ما اتفقا عليه: هل شمل السعر التركيب؟ وهل تمتد الصيانة إلى قطع الغيار؟ وهل يعني التسليم وضع البضاعة في الميناء أم في المخزن؟ وهنا يتدخل القاضي لا ليضع للطرفين عقدًا جديدًا، بل ليكشف عن إرادتهما الحقيقية وقت التعاقد ويسد ما أغفلاه. وقد وضع القانون المدني الكويتي رقم 67 لسنة 1980 قواعد منضبطة لهذه العملية تحدّ من التحكم وتوجّه القاضي. ويشرح هذا المقال هذه القواعد وأثرها العملي على صياغة العقود.
القاعدة الأولى: العبارة الواضحة لا تُؤول
هي حجر الأساس في نظرية التفسير، ومؤداها احترام ما اتفق عليه الطرفان صراحةً:
- مضمونها: إذا كانت عبارة العقد واضحة لا لبس فيها، فلا يجوز الانحراف عنها بدعوى البحث عن نية المتعاقدين، لأن الوضوح دليل على أن العبارة عبّرت عن الإرادة تعبيرًا صحيحًا.
- حكمتها: صون استقرار المعاملات ومنع القاضي من إعادة صياغة العقد وفق تصوره للعدالة، فالعدالة العقدية تتحقق أولًا باحترام ما اتفق عليه الطرفان.
- حدها: إذا تبيّن من ظروف التعاقد أن العبارة الواضحة لا تعبّر عن الإرادة الحقيقية، جاز للقاضي تجاوزها، لكن عليه أن يبيّن في حكمه القرائن التي حملته على ذلك.
- الرقابة: تخضع مخالفة هذه القاعدة لرقابة محكمة التمييز، إذ إن الانحراف عن عبارة واضحة يشكّل خطأ في تطبيق القانون لا مجرد تقدير موضوعي.
القاعدة الثانية: البحث عن النية المشتركة
إذا كان النص غامضًا أو محتملًا لأكثر من معنى، انتقل القاضي إلى مرحلة الكشف عن الإرادة:
- النية المشتركة لا المنفردة: العبرة بما اتجهت إليه إرادة الطرفين معًا، لا بما كان ينويه أحدهما في نفسه دون أن يعلمه الآخر.
- وسائل الكشف: ظروف التفاوض والمراسلات المتبادلة والعروض السابقة وسلوك الطرفين أثناء التنفيذ، فالتنفيذ العملي أبلغ دليل على الفهم المشترك.
- طبيعة التعامل: يُنظر إلى طبيعة النشاط وما جرى عليه التعامل السابق بين الطرفين في عقود مماثلة.
- الأمانة والثقة: يُرجَّح المعنى الذي يتفق مع ما ينبغي توافره من أمانة وثقة بين المتعاقدين، لا المعنى الذي يفتح باب التحايل.
- تكامل بنود العقد: يُفسَّر البند في ضوء العقد كله لا بمعزل عنه، فالعقد وحدة واحدة لا تتجزأ.
تفسير الشك
إذا استعصى الغموض على الحل، لجأ القاضي إلى قواعد احتياطية محددة:
- القاعدة العامة: يُفسَّر الشك لمصلحة المدين، لأن الأصل براءة الذمة ولا يُحمَّل الشخص التزامًا إلا بدليل واضح.
- الاستثناء في عقود الإذعان: يُفسَّر الشك لمصلحة الطرف المذعن ولو كان دائنًا، لأنه لم يشارك في صياغة العقد.
- قاعدة التفسير ضد الصائغ: تُفسَّر العبارة الغامضة ضد من صاغها، إذ كان في وسعه توضيحها فتحمّل نتيجة إهماله.
- التفسير الضيق للتنازلات: تُفسَّر بنود الإعفاء من المسؤولية والتنازل عن الحقوق تفسيرًا ضيقًا، فلا يُفترض التنازل عن حق إلا بعبارة صريحة.
سد النقص في العقد
لا يقتصر دور القاضي على تفسير الموجود، بل يمتد إلى إكمال الناقص، فالعقد لا يقتصر على ما ورد فيه:
- مستلزمات العقد: يشمل العقد ما هو من مستلزماته وفقًا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام، ولو لم يُنص عليه صراحةً.
- دور العرف: العرف التجاري أو المهني السائد في النشاط يكمّل العقد، كأن يُعدّ التركيب داخلًا في ثمن جهاز جرى العرف بتركيبه، أو تُحدَّد مهل التسليم المعتادة في تجارة معينة.
- حسن النية في التنفيذ: يلتزم كل طرف بتنفيذ العقد بما يتفق مع حسن النية، ومن ذلك واجب التعاون وعدم عرقلة تنفيذ الطرف الآخر وواجب الإعلام بما يهمه.
- الالتزامات التبعية: قد يستخلص القاضي التزامات لم يذكرها العقد لكنها لازمة لتحقيق غايته، كالتزام بائع جهاز بتسليم دليل الاستعمال أو التزام مقدم خدمة بالمحافظة على بيانات العميل.
- حد السلطة: لا يجوز للقاضي بحجة سد النقص أن ينشئ التزامًا جديدًا لم تتجه إليه إرادة الطرفين أو يعدّل التوازن الاقتصادي للعقد.
الرقابة على التفسير
ثمة حد فاصل دقيق بين ما يخضع لرقابة محكمة التمييز وما يستقل به قاضي الموضوع:
- ما يستقل به قاضي الموضوع: استخلاص النية المشتركة من ظروف الدعوى ومستنداتها، وهو تقدير موضوعي لا معقب عليه متى كان سائغًا ومستندًا إلى أصل ثابت في الأوراق.
- ما يخضع للرقابة: تحريف العبارة الواضحة، أو مسخ المستند بإعطائه معنى يتناقض مع صريح لفظه، أو تكييف العقد تكييفًا قانونيًا خاطئًا.
- التكييف لا التفسير: تكييف العقد بيعًا أو مقاولة أو وكالة مسألة قانونية تخضع لرقابة التمييز، لأن التكييف يحدد النصوص الواجبة التطبيق.
- التسبيب: يلتزم الحكم ببيان الأسانيد التي بنى عليها تفسيره، وقصور التسبيب في هذا الشأن يُعرّضه للنقض.
أثر ذلك على صياغة العقود
تنعكس هذه القواعد مباشرة على ما ينبغي فعله عند الصياغة:
- عرّفوا المصطلحات: ضعوا بند تعريفات يحدد معنى الكلمات المفتاحية كالتسليم والإنجاز والعيب والقوة القاهرة، فذلك يغلق باب التأويل.
- حددوا نطاق العمل بدقة: بيّنوا ما يشمله الالتزام وما لا يشمله صراحةً، فالسكوت يُملأ بالعرف الذي قد لا يوافق توقعكم.
- وثّقوا مرحلة التفاوض: احتفظوا بالمراسلات والعروض، فهي أهم أدوات كشف النية عند النزاع.
- انتبهوا لسلوككم أثناء التنفيذ: فالتسامح المتكرر في تطبيق بند قد يُفسَّر تعديلًا ضمنيًا له.
- بند العقد الكامل: النص على أن العقد يمثل كامل الاتفاق ويحل محل ما سبقه يقلل النزاع حول وعود سابقة، لكنه لا يعصم من مبدأ حسن النية.
- اللغة الحاكمة: عند تحرير العقد بلغتين، انصّوا على اللغة المرجّحة عند الاختلاف، فهذا مصدر نزاع متكرر في العقود الدولية.
إن أفضل عقد هو الذي لا يحتاج إلى تفسير، ودقة الصياغة اليوم أوفر بكثير من سنوات التقاضي غدًا. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة خدمات صياغة ومراجعة العقود بلغة محكمة تسد منافذ التأويل، ويتولى المرافعة في منازعات تفسير العقود وتكييفها أمام المحاكم بجميع درجاتها.