تسأل ورشة صاحب السيارة أجرة الإصلاح فيماطل، فتحتفظ بالسيارة حتى السداد. ويمتنع المقاول عن تسليم المفاتيح حتى صرف المستخلص الأخير. ويغلق المؤجر الشقة على أثاث المستأجر المتأخر. وفي كل حالة يسأل الطرفان: هل هذا حق أم اعتداء؟ والإجابة أن القانون المدني الكويتي رقم 67 لسنة 1980 يعرف وسيلة ضغط مشروعة اسمها حق الحبس، لكنها مقيدة بشروط دقيقة، ومن يتجاوزها يتحول من صاحب حق إلى معتدٍ يُسأل جزائيًا ومدنيًا. ويرسم هذا المقال هذه الحدود.
ما هو حق الحبس
- تعريفه: حق من التزم بأداء شيء في أن يمتنع عن الوفاء به ما دام لم يستوفِ ما هو مستحق له بسبب هذا الشيء أو بسبب التزام مقابل.
- وظيفته: وسيلة ضمان وضغط لا وسيلة استيفاء، فهو يدفع المدين إلى الوفاء ولا يمنح الحابس ملكية ما يحبسه.
- أساسه: يقوم على فكرة الترابط بين الالتزامات وعلى مقتضيات العدالة، فلا يُلزم أحد بالوفاء بينما يُحرم مما يقابله.
- ما لا يمنحه: لا يجيز بيع الشيء المحبوس ولا استعماله ولا التصرف فيه ولا استقطاع قيمة الدين منه، وهذا أكثر ما يُخطئ فيه الناس.
- الفرق عن الحجز: الحجز إجراء قضائي يُتخذ بأمر من الجهة المختصة وينتهي بالبيع الجبري، أما الحبس فمجرد امتناع مادي مشروع لا يفضي إلى بيع.
شروط استعماله
- حيازة مشروعة: أن يكون الشيء في يد الحابس بسبب مشروع، كالإيداع أو الإصلاح أو النقل، فمن حصل على الشيء بطريق غير مشروع لا يحتج بالحبس.
- دين مستحق: أن يكون له دين حال الأداء ومحقق، فلا حبس بدين متنازع عليه جديًا أو غير مستحق بعد.
- الارتباط: أن يقوم ارتباط بين الدين والشيء المحبوس، كأن يكون الدين نفقات أنفقها الحابس على الشيء أو أجر عمل أداه فيه.
- التناسب: ألا يكون هناك تفاوت صارخ بين قيمة الشيء المحبوس وقيمة الدين، فحبس أصل بالغ القيمة مقابل دين زهيد قد يوصف بالتعسف.
- حسن النية: أن يُستعمل الحق لغرضه المشروع لا للإضرار أو الابتزاز أو انتزاع تنازلات لا علاقة لها بالدين.
التزامات الحابس
- المحافظة على الشيء: الحابس أمين على ما يحبسه، ويلتزم بالمحافظة عليه بعناية الرجل المعتاد، ويسأل عن هلاكه أو تلفه بسببه.
- عدم الاستعمال: لا يجوز له استعمال الشيء المحبوس لمصلحته، فاستعمال السيارة المحبوسة مثلًا تجاوز يوجب المسؤولية.
- تقديم حساب: عليه أن يقدّم حسابًا عن غلة الشيء إن كانت له غلة.
- الرد فور الوفاء: يزول الحق بمجرد الوفاء أو بتقديم تأمين كافٍ، والاستمرار في الحبس بعد ذلك يقلب الوضع تمامًا ويجعل الحابس هو المعتدي.
- عدم التصرف: بيع الشيء المحبوس استيفاءً للدين تصرف خطر قد يشكل جريمة مستقلة.
حالات عملية
- ورشة الإصلاح: من أوضح صور الحبس المشروع، إذ ينفق الصانع على الشيء ويعمل فيه، فله الامتناع عن رده حتى استيفاء أجره المستحق والمتفق عليه. لكن الأجر يجب أن يكون متفقًا عليه أو مقدّرًا بما هو معتاد، فالمبالغة المفاجئة تُفقد الحبس مشروعيته.
- المقاول: قد يمتنع عن التسليم استيفاءً لمستحقاته وفق العقد، لكن الأمر يتعقد في المشاريع الكبيرة حيث تنظّم العقود التسليم وشهادات الدفع، فالأولى الرجوع إلى العقد أولًا.
- الأمانات والمستندات: حبس مستندات العميل أو أوراقه الرسمية محل تقييد شديد، ولا سيما إذا ترتب عليه ضرر جسيم يجاوز قيمة الدين بكثير.
- المؤجر والمستأجر: منع المستأجر من دخول العين أو الاستيلاء على منقولاته لاستيفاء الأجرة ليس حق حبس، بل قد يشكل اعتداء على الحيازة وجريمة مستقلة، والطريق الصحيح هو دعوى الإخلاء والمطالبة.
- الشريك والموظف: احتفاظ الموظف بأجهزة الشركة أو ملفاتها ضغطًا لاستيفاء مستحقاته العمالية غير مشروع في الغالب، لأن الشيء ليس في يده بسبب ارتباط بالدين بل بحكم عمله.
- الوديعة: للمودَع لديه حبس الوديعة استيفاءً لما أنفقه عليها من مصروفات ضرورية.
متى ينقلب الحق اعتداءً
- الحبس بلا دين مستحق: أو بدين متنازع عليه جديًا، فيصير الامتناع مجرد استيلاء.
- حبس ما لا يملكه المدين: كحبس سيارة يملكها شخص آخر، وهنا لا يوجد ارتباط أصلًا.
- الاستمرار بعد العرض: إذا عرض المدين الوفاء عرضًا حقيقيًا أو قدّم تأمينًا كافيًا وأصر الحابس على الاحتفاظ.
- الاستعمال أو التصرف: استعمال الشيء أو بيعه أو تفكيكه.
- التعسف: حبس أصل بالغ القيمة مقابل دين ضئيل، أو استعمال الحبس لانتزاع تنازل عن حقوق أخرى.
- العواقب: التعويض عن الحرمان من الشيء وعن الأضرار المترتبة، مع احتمال المساءلة الجزائية بحسب صورة الفعل.
موقف صاحب الشيء المحبوس
- عرض الوفاء: اعرضوا المبلغ غير المتنازع عليه عرضًا موثقًا، فالعرض الجدي يسحب البساط من تحت الحبس.
- تقديم تأمين: عرض ضمان كافٍ بديلًا عن الحبس، فذلك يزيل مبرره.
- الإنذار: إنذار رسمي بالتسليم مع بيان الضرر اليومي المترتب على الاحتجاز.
- القضاء المستعجل: طلب تسليم الشيء أو تعيين حارس عليه عند الاستعجال وخشية التلف.
- المنازعة في المبلغ: إذا كان الخلاف على مقدار الأجر، فالسبيل هو المنازعة القضائية لا ترك الأصل محتجزًا لسنوات.
- التوثيق: صوّروا حالة الشيء وقت التسليم للحابس، فالنزاع على التلف اللاحق متكرر.
نصائح عملية
- اتفقوا على الأجر أو التكلفة كتابةً قبل تسليم الشيء، فأغلب النزاعات تنشأ من غياب هذا الاتفاق.
- للحابس: وثّقوا الدين وأخطروا المدين كتابةً بأنكم تستعملون حق الحبس وبسببه.
- للحابس: لا تستعملوا الشيء ولا تبيعوه مهما طالت المدة، واحفظوه في مكان آمن.
- للمدين: لا تتركوا الأصل محتجزًا طويلًا، فالوقت يزيد الخسارة ويعقّد الإثبات.
- لا تلجؤوا إلى الاحتجاز في العلاقات الإيجارية والعمالية، فلها مساراتها الخاصة والخطأ فيها مكلف.
- عند تفاوت القيمة بشكل كبير، فكّروا في بديل كالضمان أو السداد الجزئي، فالتعسف يفقدكم حقكم الأصلي.
إن حق الحبس وسيلة ضغط مشروعة حين تتوافر شروطه، وتجاوزه يحوّل صاحب الحق إلى مسؤول عن التعويض. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة المشورة في تقدير مشروعية الحبس وصياغة الإنذارات، ويتولى دعاوى التسليم والتعويض والمنازعات المتصلة بالأجور والمستحقات أمام المحاكم.