يقوم العقد على تراضي طرفيه، غير أن الرضا لا يكفي أن يوجد، بل يجب أن يكون سليمًا صادرًا عن إرادة واعية حرة. فمن اشترى عقارًا معتقدًا أنه سكني ثم تبيّن أنه صناعي، ومن وقّع عقدًا بعد أن أخفى عنه الطرف الآخر عيبًا جوهريًا، ومن أُكره على التوقيع تحت التهديد، ومن استُغلّت حاجته أو طيشه فأبرم صفقة مجحفة، كل هؤلاء أعطوا رضاهم لكنه رضا معيب. وقد نظّم القانون المدني الكويتي رقم 67 لسنة 1980 عيوب الرضا الأربعة وأثرها على العقد، وهو ما يستعرضه هذا المقال بلغة عملية تهم المتعاقدين.
الغلط
الغلط وهم يقوم في ذهن المتعاقد فيصوّر له الأمر على غير حقيقته، ويدفعه إلى التعاقد. ولا يكفي أي غلط لإبطال العقد، بل يُشترط أن يكون جوهريًا:
- الغلط في صفة جوهرية: أن يقع في صفة للشيء كانت هي الدافع إلى التعاقد، كشراء لوحة على أنها لفنان معين فتبيّن أنها نسخة.
- الغلط في ذات المتعاقد: إذا كانت شخصية المتعاقد أو صفة فيه محل اعتبار، كالتعاقد مع مقاول لخبرته المحددة.
- الغلط في القانون: يُعتد به إذا توافرت فيه شروط الغلط الجوهري، كمن تعاقد جاهلًا حكمًا قانونيًا كان هو الدافع إلى تعاقده.
- اتصال المتعاقد الآخر بالغلط: يُشترط أن يكون الطرف الآخر قد وقع في الغلط ذاته أو كان يعلم به أو كان من السهل عليه أن يتبينه، حمايةً لاستقرار المعاملات.
ولا يُعتد بالغلط في الباعث غير الجوهري ولا بالغلط في القيمة أو في مجرد حسابات المتعاقد التجارية، إذ إن سوء التقدير الاقتصادي لا يبرر التحلل من العقد.
التدليس
التدليس أشد من الغلط لأنه غلط مُصطنع، أوقع فيه أحد المتعاقدين الآخر عمدًا:
- الوسائل الاحتيالية: استعمال حيل أو مستندات أو ادعاءات كاذبة لخلق اعتقاد مخالف للحقيقة.
- الكتمان العمدي: السكوت عن واقعة أو ملابسة كان يجب الإفصاح عنها، متى ثبت أن الطرف الآخر ما كان ليتعاقد لو علم بها. فالسكوت المتعمد يُعدّ تدليسًا.
- الأثر الدافع: يُشترط أن تكون هذه الوسائل هي التي دفعت إلى التعاقد، فإن كان المتعاقد سيبرم العقد على أي حال لم يقم التدليس سببًا للإبطال.
- تدليس الغير: إذا وقع التدليس من غير المتعاقد، لم يجز الإبطال إلا إذا كان المتعاقد الآخر يعلم به أو كان من المفروض أن يعلمه.
- اجتماع الإبطال والتعويض: التدليس فعل غير مشروع، فيجوز للمتضرر أن يطلب الإبطال والتعويض معًا، أو أن يبقي العقد ويطلب التعويض عما لحقه.
الإكراه
الإكراه ضغط يبعث في نفس المتعاقد رهبة تدفعه إلى التعاقد، وهو أشد عيوب الرضا مساسًا بالحرية:
- الإكراه المادي والمعنوي: يكون بالعنف الجسدي أو بالتهديد الذي يبعث الخوف، سواء وُجّه إلى المتعاقد نفسه أو إلى من يعزّ عليه.
- شرط الرهبة القائمة: يُشترط أن يكون الخطر جسيمًا محدقًا، وأن يبعث في النفس رهبة حقيقية، وتُقدَّر بحسب سن الشخص وجنسه وحالته الصحية والاجتماعية.
- عدم مشروعية الوسيلة: استعمال الحق استعمالًا مشروعًا لا يُعدّ إكراهًا، فالتهديد باللجوء إلى القضاء لاقتضاء حق ثابت تصرف مشروع. أما التهديد بالبلاغ الكيدي أو بفضح أمر خاص فهو إكراه.
- الإكراه من الغير: يسري عليه ما يسري على التدليس من حيث اشتراط علم المتعاقد الآخر.
الاستغلال والغبن
يعالج هذا العيب اختلال التوازن الناشئ عن استغلال ضعف أحد الطرفين، ويقوم على ركنين:
- الركن الموضوعي: عدم التناسب الظاهر بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه، بحيث يكون الغبن فادحًا لا مجرد فرق يسير في القيمة.
- الركن الشخصي: استغلال الطرف الآخر لحالة في المتعاقد، كطيش بيّن أو هوى جامح أو ضعف إدراك أو حاجة ملحّة أو عدم خبرة.
- سلطة القاضي: للقاضي في هذه الحالة أن يبطل العقد أو أن ينقص التزامات المغبون إلى الحد المعقول، وهو حل وسط يحفظ العقد ويرفع الظلم.
- الحالات الخاصة: ترد على هذه القاعدة أحكام خاصة في بعض العقود، كما تخضع عقود الإذعان لرقابة قضائية على شروطها التعسفية.
أثر عيب الرضا: البطلان النسبي
عيوب الرضا لا ترتب البطلان المطلق بل القابلية للإبطال، والفرق بينهما جوهري:
- العقد قائم ومنتج لآثاره: يظل العقد صحيحًا منتجًا لآثاره إلى أن يُقضى بإبطاله، بخلاف العقد الباطل بطلانًا مطلقًا الذي لا وجود له قانونًا.
- مصلحة خاصة: الإبطال مقرر لمصلحة من شاب رضاه العيب وحده، فلا يتمسك به الطرف الآخر ولا تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.
- الأثر الرجعي: إذا قُضي بالإبطال، أُعيد المتعاقدان إلى ما كانا عليه قبل التعاقد، فيردّ كل منهما ما تسلّمه، فإن استحال الرد حُكم بمقابل.
- حقوق الغير حسن النية: يُراعى في بعض الحالات حماية من تعامل مع المتعاقد بحسن نية قبل صدور حكم الإبطال.
الإجازة وسقوط دعوى الإبطال
حق الإبطال ليس مؤبدًا، بل ينقضي بأحد سببين:
- الإجازة الصريحة: إقرار العقد صراحةً بعد زوال سبب العيب، كأن يعلم المشتري بالتدليس ثم يقرّ العقد كتابةً.
- الإجازة الضمنية: تصرف يدل دلالة قاطعة على الرضا بالعقد بعد العلم بالعيب، كالتصرف في المبيع أو الاستمرار في تنفيذ العقد دون تحفظ.
- مدة السقوط: تسقط دعوى الإبطال بمضي المدة المقررة قانونًا من يوم زوال الإكراه أو انكشاف الغلط أو التدليس، وبكل حال لا تُقبل بعد انقضاء المدة القصوى المحسوبة من تاريخ إبرام العقد.
- أثر الإجازة: تصحّح العقد بأثر رجعي من تاريخ إبرامه، ولا يجوز الرجوع فيها.
نصائح عملية للمتعاقدين
- لا توقّعوا عقدًا قبل التحقق من الصفات الجوهرية لمحله بنفسكم أو بخبير، فالغلط لا يُغتفر إن كان بالإمكان تبيّنه بجهد يسير.
- اطلبوا إدراج الصفات التي دفعتكم للتعاقد صراحةً في العقد، فهي تحوّل الادعاء إلى التزام تعاقدي واضح.
- وثّقوا كل ما قيل لكم أثناء التفاوض بالمراسلات، فالتدليس يُثبت بالقرائن والوثائق لا بالذاكرة.
- إذا وقّعتم تحت ضغط، بادروا فور زواله بإعلان تحفظكم كتابةً، فالسكوت الطويل قد يُفسَّر إجازة ضمنية.
- لا تنفّذوا العقد بلا تحفظ بعد اكتشاف العيب، فتنفيذكم قد يُسقط حقكم في الإبطال.
- راقبوا مدد السقوط بدقة، فأقوى دعوى إبطال تسقط بفوات الميعاد.
إن سلامة الرضا هي أساس العقد الصحيح، وحمايتها تبدأ من دقة التفاوض والتوثيق قبل التوقيع لا بعده. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة المشورة في مراجعة العقود قبل إبرامها وكشف الشروط المجحفة، ويتولى رفع دعاوى الإبطال والتعويض عن التدليس والاستغلال أمام المحاكم المدنية والتجارية.