يُعدّ حق التقاضي من الحقوق الدستورية المكفولة لكل شخص في دولة الكويت، إذ نصّ الدستور الكويتي على أن حق التقاضي مصون ومكفول للناس كافة. غير أن هذا الحق، كسائر الحقوق، ليس مطلقًا بل يخضع لضوابط وقيود تمنع إساءة استعماله. فعندما يُستخدم حق التقاضي لا لحماية مصلحة مشروعة بل بقصد الإضرار بالغير أو الكيد له، يتحوّل من حقٍّ مشروع إلى تعسّفٍ يستوجب المسؤولية والتعويض. في هذا المقال نستعرض مفهوم الدعوى الكيدية في القانون الكويتي، وأسسها القانونية، وشروط إثباتها، وسبل التعويض عنها.
مفهوم الدعوى الكيدية والتعسف في استعمال حق التقاضي
الدعوى الكيدية هي تلك الدعوى التي يرفعها شخص أمام القضاء لا بهدف الحصول على حق مشروع، وإنما بقصد الإضرار بالمدعى عليه أو إلحاق الأذى به ماديًا أو معنويًا. وتقوم فكرة الدعوى الكيدية على نظرية التعسف في استعمال الحق المقررة في القانون المدني الكويتي، والتي تقضي بأن من يستعمل حقه استعمالًا غير مشروع يكون مسؤولًا عما يُلحقه بالغير من ضرر.
ويرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بمبدأ حسن النية الذي يحكم جميع التصرفات القانونية، فاللجوء إلى القضاء يجب أن يكون مبنيًا على أساس جدّي ومصلحة حقيقية، لا على نيّة الكيد والإيذاء.
الأساس القانوني لدعوى التعويض عن الكيد في التقاضي
يستند التعويض عن الدعوى الكيدية في القانون الكويتي إلى عدة أسس قانونية، أبرزها:
- نظرية التعسف في استعمال الحق: المقررة في القانون المدني الكويتي، والتي تُلزم كل من يستعمل حقه بصورة تتجاوز ما جرى عليه العرف والعادة بتحمّل المسؤولية عن الأضرار الناتجة.
- قواعد المسؤولية التقصيرية: إذ يُعدّ رفع الدعوى الكيدية خطأً يستوجب التعويض وفقًا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية، متى توافرت أركان الخطأ والضرر وعلاقة السببية.
- الأحكام الإجرائية: منح المشرع الكويتي للقاضي سلطة الحكم بالغرامة على من يتقدّم بدعوى أو دفع يتبيّن أنه كيدي أو قُصد به تعطيل الفصل في الدعوى، وذلك لردع العبث بالإجراءات القضائية.
أركان الدعوى الكيدية وشروط إثباتها
لا يُعدّ مجرد خسارة الدعوى أو رفضها دليلًا على أنها كيدية، فقد يخسر المدعي دعواه لأسباب تتعلق بعدم كفاية الأدلة أو التفسير القانوني دون أن تكون نيّته سيئة. ولإثبات أن الدعوى كيدية، يجب توافر عدة أركان:
- سوء النية: أن يكون المدعي قد رفع الدعوى وهو يعلم بعدم أحقيته فيما يدّعيه، أو أن يكون قصده الإضرار بالمدعى عليه لا الحصول على حق.
- انتفاء المصلحة المشروعة: ألا يكون لرافع الدعوى مصلحة جدية ومشروعة في رفعها، بل يكون هدفه الوحيد أو الأساسي إلحاق الضرر بالطرف الآخر.
- قصد الإضرار: أن يثبت توجّه إرادة المدعي نحو إيذاء المدعى عليه، سواء بإلحاق ضرر مادي به كتكبيده مصاريف التقاضي، أو ضرر معنوي كالإساءة إلى سمعته.
- الضرر: أن يكون المدعى عليه قد لحق به ضرر فعلي نتيجة رفع الدعوى الكيدية، سواء كان ضررًا ماديًا أو أدبيًا.
وتجدر الإشارة إلى أن إثبات نية الكيد يقع على عاتق من يدّعيه، وللقاضي سلطة تقديرية واسعة في استخلاص هذه النية من ظروف الدعوى وملابساتها.
التعويض عن الأضرار الناجمة عن الدعوى الكيدية
عند ثبوت كيدية الدعوى، يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض عن جميع الأضرار التي لحقت به، وتشمل:
- الأضرار المادية: وتتمثل في المصاريف القضائية وأتعاب المحاماة التي تكبّدها المدعى عليه للدفاع عن نفسه، وأي خسائر مالية مباشرة نتجت عن الدعوى كتعطيل أعماله أو تجميد أمواله.
- الأضرار المعنوية (الأدبية): وتشمل ما يصيب المدعى عليه من أذى نفسي وإساءة لسمعته ومكانته الاجتماعية والمهنية، ويُقدّر التعويض عنها بحسب جسامة الضرر وظروف كل حالة.
ويُقدّم طلب التعويض عادةً من خلال دعوى مستقلة أو بموجب طلب عارض (دعوى متقابلة) في ذات الدعوى الأصلية. وقد استقرّ قضاء محكمة التمييز الكويتية على أن التعويض يجب أن يكون جابرًا لكامل الضرر الذي أصاب المتضرر.
البلاغ الكاذب والمسؤولية الجزائية
إلى جانب المسؤولية المدنية، قد يترتب على الدعوى الكيدية مسؤولية جزائية إذا تضمّنت تقديم بلاغ كاذب. فقد جرّم قانون الجزاء الكويتي تقديم البلاغ الكاذب، وهو الإبلاغ عن واقعة يعلم المُبلّغ أنها غير صحيحة بقصد الإضرار بالمُبلَّغ ضده. ويُعاقب مرتكب هذه الجريمة بالعقوبات المقررة قانونًا.
ويختلف البلاغ الكاذب عن الدعوى الكيدية من حيث إن البلاغ يكون أمام الجهات الأمنية أو النيابة العامة بشأن واقعة جزائية مزعومة، بينما الدعوى الكيدية تُرفع أمام المحاكم المدنية أو التجارية أو غيرها. وقد يجتمع الوصفان معًا في بعض الحالات.
اجتهادات محكمة التمييز وسلطة القاضي
أرست محكمة التمييز الكويتية مبادئ مهمة في شأن الدعاوى الكيدية، من أبرزها:
- أن مجرد إخفاق المدعي في إثبات دعواه لا يُعدّ في حد ذاته دليلًا على الكيد، ما لم تقترن الخسارة بقرائن أخرى تدل على سوء القصد.
- أن تقدير توافر عناصر الكيد في التقاضي من مسائل الواقع التي تستقل بتقديرها محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة.
- أن للقاضي أن يستدل على نية الكيد من تكرار رفع الدعاوى في الموضوع ذاته رغم سبق الفصل فيه، أو من ثبوت علم المدعي بعدم أحقيته.
كما منح المشرع القاضي سلطة فرض غرامات على أصحاب الدعاوى الكيدية والطلبات غير الجدية، بما يكفل حماية جهاز القضاء من العبث وإهدار وقته في منازعات لا أساس لها.
نصائح عملية لمواجهة الدعاوى الكيدية
إذا كنت ضحية لدعوى تعتقد أنها كيدية، فإننا ننصح بما يلي:
- الاستعانة بمحامٍ متخصص فور تبلّغك بالدعوى لتقييم موقفك القانوني بدقة.
- جمع الأدلة والقرائن التي تثبت كيدية الدعوى وسوء نية رافعها، مثل الرسائل أو المراسلات التي تكشف القصد الحقيقي.
- تقديم طلب عارض بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية ضمن الدعوى ذاتها، أو رفع دعوى مستقلة بالتعويض بعد صدور الحكم النهائي.
- في حالة البلاغ الكاذب، تقديم شكوى جزائية لدى الجهات المختصة للمطالبة بمحاكمة المُبلّغ.
- الاحتفاظ بجميع المستندات والإيصالات المتعلقة بالمصاريف التي تكبّدتها بسبب الدعوى لإثبات حجم الضرر المادي.
إن التصدي للدعاوى الكيدية يتطلب خبرة قانونية متعمّقة ومعرفة دقيقة بالإجراءات القضائية واجتهادات المحاكم. في يمناك لأعمال المحاماة، نمتلك الخبرة والكفاءة اللازمتين لحماية حقوقك والدفاع عنك في مواجهة أي دعوى كيدية، وتحصيل التعويض العادل عن الأضرار التي لحقت بك. لا تتردد في التواصل معنا للحصول على استشارة قانونية متخصصة.