بين لحظة اتفاق الشركاء على تأسيس شركة ولحظة قيدها في السجل التجاري تمر مدة قد تطول أسابيع أو شهورًا. وفي هذه المدة لا تقف الأعمال منتظرة: يُستأجر مقر، ويُشترى أثاث، ويُتعاقد مع مورّدين، ويُعيَّن موظفون، وقد يُفتح حساب مصرفي. والسؤال القانوني الحاسم: من يلتزم بهذه التصرفات ما دامت الشركة لم توجد بعد كشخص قانوني؟ وماذا لو تعثر التأسيس ولم تُقيَّد الشركة أصلًا؟ هذه المسائل ينظمها قانون الشركات رقم 1 لسنة 2016 والقواعد العامة، وهي من أكثر ما يفاجئ رواد الأعمال. ويشرح هذا المقال هذه المرحلة الحرجة.
متى تكتسب الشركة شخصيتها المعنوية
هذه هي النقطة المحورية التي يدور حولها كل ما يليها:
- القيد شرط الوجود: لا تكتسب الشركة الشخصية الاعتبارية إلا بقيدها في السجل التجاري واستكمال إجراءات الشهر المقررة، فقبل ذلك لا وجود قانوني لها.
- أثر عدم الوجود: لا تملك الشركة قبل القيد ذمة مالية مستقلة ولا أهلية للتعاقد ولا صفة في التقاضي، فلا يجوز رفع دعوى باسمها أو عليها.
- عقد التأسيس: توقيع عقد التأسيس ينشئ التزامات بين الشركاء أنفسهم، لكنه لا ينشئ في مواجهة الغير شخصًا قانونيًا جديدًا.
- مرحلة التكوين: تشمل إعداد العقد وتوثيقه وإيداع رأس المال والحصول على الموافقات والتراخيص، ولكل خطوة أثرها.
- الحساب المصرفي: يُفتح عادةً حساب تحت التأسيس لإيداع رأس المال، ويخضع لقيود على السحب منه قبل استكمال القيد.
مسؤولية المؤسسين عن التصرفات السابقة
هنا تقع أخطر المفاجآت التي يواجهها رواد الأعمال:
- القاعدة: من تعاقد باسم شركة تحت التأسيس يكون مسؤولًا شخصيًا عن هذا التصرف في ماله الخاص، لأن من تعاقد باسمه لم يكن موجودًا.
- التضامن: إذا تعدد المؤسسون الذين باشروا التصرف أو أقروه، كانوا مسؤولين بالتضامن تجاه الغير، فيجوز للدائن مطالبة أي منهم بكامل الالتزام.
- أثر القيد: إذا قُيدت الشركة وأقرّت التصرفات التي أُبرمت لحسابها في مرحلة التأسيس، انصرفت آثارها إليها بأثر رجعي وبرئت ذمة المؤسسين، وهذه هي النقطة الأهم عمليًا.
- شرط الإقرار: لا يقع انتقال الالتزام تلقائيًا بمجرد القيد، بل يستلزم إقرارًا من الجهاز المختص في الشركة بعد تأسيسها، ويُنصح باتخاذ قرار صريح بذلك في أول اجتماع.
- التصرفات غير المتصلة بالتأسيس: ما أبرمه أحد المؤسسين لمصلحته الشخصية أو خارج ما يلزم للتأسيس يبقى في ذمته ولا يجوز تحميله للشركة.
- حق الغير في الاختيار: إذا أقرّت الشركة التصرف، تحرر المؤسس عادةً، أما إذا لم تُقر أو لم تُقيَّد أصلًا، بقي الغير في مواجهة المؤسسين شخصيًا.
عندما يتعثر التأسيس
ليست كل محاولة تأسيس تنتهي بقيد، والتعثر يثير مسائل دقيقة:
- مصير رأس المال المودع: يُرد إلى الشركاء بعد خصم ما أُنفق فعلًا في إجراءات التأسيس، ويُنصح بالاتفاق مسبقًا على كيفية توزيع هذه المصروفات.
- المصروفات التأسيسية: يتحملها الشركاء بنسبة حصصهم المتفق عليها ما لم يوجد اتفاق مخالف، وغياب الاتفاق مصدر نزاع متكرر.
- مسؤولية المتسبب في التعثر: إذا كان التعثر راجعًا إلى امتناع أحد الشركاء عن الوفاء بتعهده أو إلى تقديمه بيانات غير صحيحة، جاز للباقين الرجوع عليه بالتعويض.
- العقود المبرمة: تبقى قائمة في ذمة من أبرمها شخصيًا، وعليه أن يتفاوض على إنهائها متحملًا ما يترتب على ذلك.
- الموظفون المعينون: من عُيّن وباشر العمل تنشأ له حقوق عمالية تجاه من تعاقد معه، ولا يُعفى المؤسس بحجة عدم قيام الشركة.
الشركة الفعلية والشركة الباطلة
ماذا لو مارس الشركاء النشاط فعليًا دون استكمال الإجراءات أو ببطلان في عقد التأسيس؟
- الشركة الفعلية: وضع ينشأ حين يزاول أشخاص نشاطًا مشتركًا على نحو يظهرهم بمظهر الشركاء دون قيد صحيح، فيتقاسمون الأرباح والخسائر ويتعاملون مع الغير.
- المسؤولية تجاه الغير: لا يجوز للشركاء الاحتجاج على الغير بعدم قيام الشركة للتخلص من الالتزامات، فيُسألون شخصيًا وبالتضامن عمّا نشأ من تعاملات.
- البطلان لا يسري بأثر رجعي على الغير: إذا قُضي ببطلان الشركة، لم يمس ذلك حقوق الغير حسن النية الذي تعامل معها، حمايةً لاستقرار المعاملات.
- التصفية: تُصفّى الشركة الفعلية أو الباطلة وفق ما يقرره القانون، فتُحصَّل الحقوق وتُسدَّد الديون ويوزَّع الفائض على الشركاء.
- العلاقة بين الشركاء: يُرجع في تحديد حصصهم إلى ما اتفقوا عليه فعلًا وما تثبته الوقائع من مساهمات، وعند التعذر تُقسَّم بالتساوي.
- المخاطر الإضافية: قد ترتب مزاولة النشاط دون ترخيص مخالفات إدارية وجزائية مستقلة عن مسألة الشركة ذاتها.
حماية المؤسسين: أدوات عملية
يمكن تفادي أغلب هذه المخاطر بترتيبات بسيطة تُتخذ في الوقت المناسب:
- اتفاق المؤسسين: وثيقة تُبرم قبل عقد التأسيس تحدد من يباشر التصرفات وبأي حدود، وكيف تُوزَّع المصروفات، وماذا يحدث إذا تعثر التأسيس.
- التوقيع بصفة صريحة: عند التعاقد قبل القيد، يُنصح بالنص في العقد على أن المتعاقد يبرمه لحساب شركة تحت التأسيس، مع بند صريح بانتقال الالتزام إليها عند قيدها وإبراء الموقع.
- الحد من الالتزامات المبكرة: تأجيل العقود طويلة الأجل والالتزامات الكبيرة إلى ما بعد القيد كلما أمكن.
- الشروط الواقفة: تعليق سريان العقود المبكرة على شرط واقف هو إتمام قيد الشركة، فإن لم يتحقق انحلّ العقد دون مسؤولية.
- قرار الإقرار: اتخاذ قرار صريح موثق في أول اجتماع بعد القيد بإقرار جميع التصرفات المبرمة في مرحلة التأسيس وحصرها في كشف مرفق.
- فصل الذمم: عدم خلط الأموال الشخصية بأموال المشروع منذ اليوم الأول، ولو قبل القيد.
نصائح ختامية
- لا تباشروا نشاطًا تجاريًا فعليًا قبل استكمال القيد والترخيص، فالمخاطرة تتجاوز المسؤولية المدنية.
- احتفظوا بمستندات كل مصروف أُنفق في التأسيس، فهي أساس المحاسبة بين الشركاء.
- لا توقّعوا عقودًا كبيرة بصفتكم الشخصية اعتمادًا على وعد بانتقالها للشركة لاحقًا دون بند صريح.
- حدّدوا في اتفاق المؤسسين مدة زمنية لإتمام التأسيس ينحل بعدها الاتفاق تلقائيًا.
- راجعوا الأنشطة المطلوب ترخيصها مسبقًا، فبعضها يستلزم موافقات تستغرق وقتًا طويلًا يجب أخذه في الحسبان.
- استعينوا بمحامٍ في صياغة اتفاق المؤسسين قبل عقد التأسيس، فهو أرخص كثيرًا من تسوية نزاع لاحق.
إن مرحلة ما قبل القيد هي أكثر مراحل حياة الشركة خطرًا على أصحابها شخصيًا، وأقلها عناية في الغالب. ويقدّم فريق يمناك لأعمال المحاماة خدمات صياغة اتفاقات المؤسسين وعقود التأسيس ومتابعة إجراءات القيد، ويتولى المنازعات المتعلقة بمسؤولية المؤسسين وتصفية الشركات الفعلية.