أصبح المحتوى الذي ينشره المستخدمون على المنصات والمواقع والصفحات ومجموعات التطبيقات مصدراً متكرراً للنزاعات في الكويت، سواء في صورة شكوى جزائية أو دعوى تعويض. والسؤال الذي يتكرر على مكتبنا هو: من يُسأل عن المنشور المخالف؟ الكاتب وحده، أم مدير المجموعة، أم مالك الموقع أو المنصة؟ من المهم توضيح أمر جوهري في البداية: لا يوجد في الكويت — بحسب ما هو مستقرّ ومعلوم — قانون خاص ومستقل ينظّم مسؤولية الوسيط الإلكتروني على نحو ما هو موجود في بعض التشريعات المقارنة، ولا نظام محدد بمواعيد ملزِمة لما يُعرف بـ«الإخطار والإزالة». ولذلك تُحلّ هذه المسائل بتطبيق القواعد العامة في قانون الجزاء وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015 وقواعد الإعلام الإلكتروني، إضافة إلى القواعد العامة للمسؤولية المدنية، وفق تقدير المحكمة لكل واقعة.
من يُسأل عن المنشور المخالف؟ مبادئ عامة
المبدأ الأساسي في المسؤولية الجزائية أنها شخصية: يُسأل عن المحتوى من صدر منه، أي كاتب المنشور أو من قام بفعل النشر. ولا تنتقل هذه المسؤولية تلقائياً إلى غيره بمجرد أن المنشور ظهر في مساحة يديرها شخص آخر. وتقدير مساهمة غير الكاتب أمر موضوعي يخضع لسلطة محكمة الموضوع في استخلاص الدور الذي لعبه كل شخص. ومن المبادئ التي يمكن الاسترشاد بها — دون أن تكون قواعد جاهزة تُطبّق آلياً — أن احتمال مساءلة المدير أو مالك الموقع يقوى كلما اقترب دوره من دور المشارك في النشر، ومن أمثلة ذلك:
- أن يكون هو من كتب المحتوى أو صاغه أو أعاد تحريره وتعديله.
- أن يتبنّى المحتوى ويجعله خطاباً له، كأن يعيد نشره أو يثبّته أو يقدّمه بعبارات تأييد وإقرار.
- أن يكون قد حرّض على نشره أو طلبه أو رتّب له مساحة مخصصة لبثّه.
- أن يستمر في إبقاء المحتوى منشوراً بعد أن أُخطر به وعلم بمضمونه علماً واضحاً، بحيث يمكن استخلاص موقف إرادي منه تجاه الاستمرار في النشر.
وفي المقابل، فإن مجرد كون الشخص مديراً لمجموعة أو مالكاً لموقع يستقبل تعليقات المستخدمين لا يعني بذاته ثبوت مسؤوليته عن كل ما يُكتب فيه، خصوصاً إذا لم يعلم بالمحتوى ولم يتبنّه ولم يشارك فيه.
ما يمكن أن يشكّله المحتوى من جرائم
المحتوى المنشور قد يخرج عن حدود حرية التعبير ليشكّل جريمة معاقباً عليها. ومن أبرز الصور — وصفاً عاماً دون تفصيل للعقوبات — ما يلي:
- السبّ والقذف والإهانة: إسناد واقعة تمسّ الشرف والاعتبار، أو توجيه عبارات مهينة، ويزداد الأمر خطورة إذا وقع في مواجهة الجمهور بوسيلة إلكترونية.
- إفشاء أسرار الحياة الخاصة: نشر محادثات أو صور أو تسجيلات تتعلق بالحياة الخاصة دون رضا صاحبها، وهو من أكثر ما يُثار في القضايا الإلكترونية.
- التهديد والتشهير والابتزاز: مطالبة الضحية بمقابل — مالي أو غير مالي — مقابل عدم النشر أو مقابل الحذف.
- الانتحال وإساءة استخدام الحسابات: إنشاء حساب منتحل باسم شخص أو جهة، أو الدخول غير المشروع إلى حساب الغير.
- محتوى يتعلق بما تحميه القوانين من مقامات وثوابت ومصالح عامة، وهي مسائل تُعالج بحسب نصوصها الخاصة.
ونظراً لأن التوصيف القانوني الدقيق يتغيّر بتغيّر الصياغة والسياق والوسيلة، فإن تحديد الجريمة المحتملة وسند المساءلة يحتاج إلى فحص المحتوى نفسه لا الاعتماد على وصف عام.
مديرو المجموعات على تطبيقات المراسلة ومسألة الإزالة بعد الشكوى
يكثر السؤال عمّا إذا كان مدير المجموعة ملزَماً بحذف المنشور بعد أن يتلقى شكوى أو تنبيهاً من المتضرر. والإجابة الأمينة أن هذه مسألة غير محسومة بنصّ صريح وواضح يفرض على المدير واجباً عاماً بالحذف في مدة محددة. فالأمر يُترك لتقدير المحكمة في ضوء ظروف الواقعة: طبيعة المجموعة وحجمها، وهل هي عامة أم خاصة، ومدى سيطرة المدير عليها، وهل عَلِم بالمحتوى علماً حقيقياً، وماذا فعل بعد علمه، وهل كان في موقف من تبنّى المحتوى أو رضي باستمراره. ومن ثم فإن الموقف العملي الأسلم للمدير هو التعامل مع الإخطار بجدية وسرعة وتوثيق ما اتخذه من إجراء، لأن السلبية بعد العلم قد تُقرأ في غير مصلحته، دون أن يعني ذلك وجود التزام قانوني محدد المدة.
المسؤولية المدنية والتعويض ومسؤولية جهة العمل
إلى جانب المسار الجزائي، يملك المتضرر المطالبة بالتعويض المدني عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه من النشر، استناداً إلى القواعد العامة في المسؤولية عن الفعل الضار: خطأ، وضرر، وعلاقة سببية بينهما. ويُقدّر التعويض بحسب جسامة الفعل ومدى انتشاره وأثره على السمعة أو النشاط التجاري.
أما الشركات وأصحاب الأعمال، فقد تُطرح مسؤوليتهم عمّا ينشره العاملون لديهم على الحسابات الرسمية للجهة، إذ إن النشر من حساب الشركة يُنسب في الظاهر إليها ويُعدّ صادراً عن نشاطها، وتبقى مسألة الرجوع على الموظف المخطئ داخلياً قائمة. ولذلك من الحكمة أن يكون لكل جهة سياسة مكتوبة لإدارة حساباتها وتحديد من يملك صلاحية النشر.
طلب إزالة المحتوى والكشف عن حساب مجهول
عملياً، تتعدد المسارات المتاحة للمتضرر، ويمكن الجمع بينها:
- الإبلاغ إلى المنصة نفسها عبر أدوات الشكوى الداخلية، وهو مسار سريع لكنه يخضع لسياسات المنصة لا للقانون الكويتي.
- الشكوى الجزائية أمام الجهات المختصة، حيث تتولى النيابة العامة التحقيق وطلب ما تراه لازماً من إجراءات وتحريات فنية، ومن خلالها يمكن أن يتم الوصول إلى مَن يقف خلف حساب مجهول؛ ولا يمكن للأفراد كشف هوية صاحب الحساب بأنفسهم.
- طلبات الحجب أو الحظر من خلال الجهات الرقابية المختصة، بحسب الضوابط المتبعة لدى تلك الجهات، وهي مسارات إدارية تختلف في نطاقها عن الدعوى القضائية.
- الدعوى المدنية للمطالبة بالتعويض ووقف الفعل الضار.
حفظ الدليل: الخطوة التي تُحسم بها القضايا
كثير من الشكاوى تتعثّر لا لأن المحتوى مباح، بل لأن الدليل لم يُحفظ بشكل سليم. لذلك يُنصح بما يلي:
- التقاط صورة كاملة للمنشور تُظهر اسم الحساب ورابطه والتاريخ والوقت وسياق المحادثة، لا مقطعاً مقتطعاً من النص.
- حفظ الرابط الأصلي ونسخة من الصفحة، وتصوير الشاشة بالفيديو أثناء التنقل إن أمكن.
- اللجوء إلى توثيق النسخ لدى الجهة المختصة أو إعداد تقرير فني عند الحاجة لتعزيز حجية الدليل.
- عدم مراسلة الناشر بما يفيد التنازل أو الاعتراف، والاكتفاء بإخطار موثّق عند الرغبة في طلب الإزالة.
ولا يفقد المنشور المحذوف أهميته؛ فحذفه لا يمحو الجريمة إن كانت قد تمّت بالنشر، ويبقى الدليل المحفوظ مسبقاً والتحريات الفنية ذات قيمة في الإثبات.
التعليقات والتقييمات عن الأنشطة التجارية
النقد المباح مكفول: فتقييم خدمة أو تجربة شراء بعبارات موضوعية، وإن كانت سلبية، لا يُعدّ في الأصل تشهيراً. لكن الخط يُتجاوز عندما ينتقل الكلام من تقييم الخدمة إلى إسناد وقائع كاذبة أو المساس بأشخاص بعبارات مهينة أو نشر ما يتعلق بحياتهم الخاصة. والنصيحة العملية للمنشآت هي الردّ المهني الهادئ والموثّق، ومعالجة الشكوى إن كانت صحيحة، والاحتفاظ بالمستندات التي تنفي الادعاء، وعدم الانزلاق إلى تبادل الإهانات الذي قد يقلب المنشأة من متضرر إلى مُشتكى ضده.
إرشادات عملية
لمديري المجموعات والصفحات: ضع قواعد نشر معلنة، وفعّل أدوات المراجعة والتقييد المتاحة، وتعامل مع الشكاوى فوراً، وسجّل ما تحذفه ومتى ولماذا. ولا تتبنَّ محتوى الغير بإعادة نشره أو تثبيته أو تأييده.
وللمتضررين: احفظ الدليل قبل أي خطوة، ولا تردّ بالمثل، وحدّد بدقة ما تطلبه — إزالة، أو ملاحقة جزائية، أو تعويض — فاختيار المسار المناسب يوفّر الوقت ويحسّن فرص النجاح.
خاتمة
في غياب تشريع خاص بمسؤولية الوسيط في الكويت، تظلّ المساءلة عن محتوى المستخدمين قائمة على القواعد العامة وعلى تقدير القضاء لدور كل شخص في النشر، وهي مسائل واقعية بطبيعتها تتفاوت نتائجها بتفاوت الظروف والأدلة. وما ورد في هذا المقال معلومات عامة لا تُغني عن الاستشارة القانونية ولا تُعدّ رأياً في واقعة بعينها.
وإذا كنت مديراً لصفحة أو مجموعة تلقّيت بشأنها إخطاراً، أو متضرراً من منشور يمسّك أو يمسّ نشاطك التجاري، فإن فريق يمناك لأعمال المحاماة يسعده دراسة حالتك وتحديد المسار الأنسب لحفظ الدليل وطلب الإزالة والمطالبة بحقوقك.