أصبحت الطائرات المسيّرة (الدرون) أداة شائعة في التصوير الجوي والمساحة والتوثيق والتسويق العقاري، بل وفي بعض خدمات التوصيل. وبقدر ما تتيحه هذه التقنية من فرص، فإنها تثير أسئلة قانونية جدية في الكويت تتعلق بسلامة الملاحة الجوية والأمن الوطني وخصوصية الأفراد. وفي هذا المقال نوضح الإطار العام لاستخدام الدرون في الكويت: من يرخّص، وما الذي يُحظر، وما هي المسؤولية القانونية التي قد تترتب على المخالفة، مع التنبيه إلى أن التفاصيل الفنية والحدود الرقمية يجب التحقق منها لدى الجهة المختصة قبل أي تشغيل.
من يملك سلطة تنظيم استخدام الدرون في الكويت
الأصل أن تنظيم الطيران المدني وسلامة المجال الجوي في الكويت يدخل في اختصاص الإدارة العامة للطيران المدني، وهي الجهة التي تحدد شروط تسجيل الطائرات المسيّرة وإجراءات التصريح بتشغيلها والضوابط الفنية المرتبطة بذلك. ولأن تشغيل الدرون يحمل بعدًا أمنيًا واضحًا، فإن الحصول على موافقة أمنية من وزارة الداخلية يُعد في العادة شرطًا مكمّلًا، لا سيما في حالات التصوير الجوي أو التشغيل قرب المناطق الحساسة.
ويترتب على ذلك قاعدة عملية مهمة: امتلاك الجهاز أو استيراده أو تشغيله لا يُفترض أنه مباح بذاته، بل يُفترض أنه يحتاج إلى تصريح مسبق. ومن الخطأ الاعتماد على كون الجهاز صغير الحجم أو معروضًا للبيع تجاريًا في الخارج، فذلك لا يعني إباحة تشغيله في الكويت دون موافقة. ونحن لا نذكر هنا أرقام قرارات أو لوائح محددة؛ إذ تتغير التعاميم والإجراءات التنفيذية من وقت إلى آخر، والصحيح هو مراجعة الإدارة العامة للطيران المدني للوقوف على المتطلبات النافذة وقت التقديم.
الاستيراد والتخليص الجمركي
لا تبدأ المسألة من لحظة التحليق، بل من لحظة دخول الجهاز إلى البلاد. فالطائرات المسيّرة تُعامَل في الغالب معاملة البضائع المقيّدة التي يتوقف الإفراج عنها على موافقة الجهة المختصة، ولذلك فإن محاولة إدخال الدرون عبر المنافذ الجمركية أو شرائه عبر المتاجر الإلكترونية وشحنه من الخارج قد تنتهي بحجز الجهاز في الجمارك إلى حين تقديم التصريح المطلوب، أو بمصادرته.
- الحصول على الموافقة أو التصريح قبل الشراء والشحن، لا بعده.
- الاحتفاظ بالفواتير وبيانات الجهاز (النوع، الرقم التسلسلي، المواصفات) لأنها تُطلب عادةً في إجراءات التسجيل والتخليص.
- التحقق من موقف الشحنة مع المخلّص الجمركي قبل الالتزام بمواعيد عمل تعتمد على وصول الجهاز.
أين يُحظر أو يُقيَّد التحليق
القيود المكانية والزمانية على تشغيل الدرون هي جوهر التنظيم في معظم الدول، والكويت ليست استثناءً. وفيما يلي القيود المتعارف عليها والتي يجب التأكد من تفاصيلها ونطاقها الدقيق لدى الإدارة العامة للطيران المدني:
- المطارات ومسارات الطيران: يُمنع التحليق قرب المطارات وممرات الإقلاع والهبوط ومناطق الاقتراب، وتُحدَّد لذلك مسافات ملاحية لا يجوز تجاوزها.
- المواقع العسكرية والأمنية والحكومية: التحليق أو التصوير فوق المنشآت العسكرية والمقار الأمنية والمواقع السيادية والمرافق الحيوية (كالمنشآت النفطية) محظور من حيث الأصل، وهو من أخطر الصور من الناحية الأمنية.
- التجمعات والحشود: التحليق فوق الأشخاص والمناسبات والملاعب والأسواق المزدحمة مقيّد، لخطر السقوط والإصابة.
- الطيران الليلي وخارج نطاق الرؤية: التشغيل ليلًا أو بعيدًا عن مدى بصر المشغّل يخضع عادةً لشروط خاصة أو لموافقة إضافية.
- الارتفاع والوزن: توجد حدود للارتفاع المسموح وفئات للأوزان تختلف بها المتطلبات؛ ولا نذكر أرقامًا هنا، ويجب استيضاحها من الجهة المختصة.
- المناطق الخاصة: قد تُعلن حظورات مؤقتة بمناسبة أحداث أو زيارات رسمية، ويلزم التحقق منها قبل كل عملية تشغيل.
الاستخدام التجاري: التصوير والمساحة والتوصيل
يختلف الاستخدام الترفيهي عن الاستخدام التجاري اختلافًا جوهريًا من الناحية التنظيمية. فالشركة التي تستخدم الدرون في التصوير الإعلاني أو التوثيق الإنشائي أو المسح المساحي أو تجربة خدمات التوصيل تحتاج في العادة إلى موافقات أوسع: تصريح تشغيل للنشاط، وموافقة أمنية للتصوير، وقد تُطلب مؤهلات للمشغّل، ووثائق تأمين، وموافقة مالك العقار أو الجهة المالكة للموقع الذي سيُصوَّر أو يُحلَّق فوقه.
ومن الناحية العملية، ننصح الشركات بأن تُدرج البند التنظيمي في عقودها: من المسؤول عن استخراج التصاريح؟ وما حكم العقد إذا رُفض التصريح أو تأخر؟ ومن يتحمل الغرامة أو الضرر إذا شُغّل الجهاز دون موافقة؟ هذه بنود تُغني عن خصومات لاحقة.
الخصوصية والمسؤولية الجزائية
التصوير بالدرون يلامس حقًا محميًا هو الحق في الخصوصية. فتصوير الأشخاص أو منازلهم أو أفنيتهم الخاصة وأسطحهم دون موافقتهم قد يشكّل اعتداءً على الحياة الخاصة، وقد ينتج عنه مسؤولية جزائية إلى جانب المسؤولية المدنية. والإطار العام في الكويت يشمل أحكام قانون الجزاء المتعلقة بحماية حرمة الحياة الخاصة والسكن، كما يشمل القانون رقم 63 لسنة 2015 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات الذي يجرّم — بصفة عامة — التعدي على الحياة الخاصة والتقاط أو نشر الصور والمواد بغير حق عبر الوسائل التقنية، فضلًا عن صور القذف والتشهير والتهديد التي قد ترتكب بواسطة ما يُصوَّر ويُنشر.
ويزداد الأمر خطورة إذا اتصل التصوير بمواقع ذات حساسية أمنية، حيث يمكن أن يُنظر إلى الواقعة من زاوية أمن الدولة لا من زاوية مخالفة إدارية بسيطة. ولذلك فإن نشر مقطع جوي على وسائل التواصل قد يكون في ذاته دليلًا مكتملًا على المخالفة. ونتحدث هنا عن مبادئ عامة دون تحديد عقوبات أو مبالغ، لأن الوصف الجزائي والعقوبة يتوقفان على وقائع كل حالة وعلى النص المنطبق عليها.
المسؤولية المدنية عن الأضرار والتأمين
سقوط الطائرة المسيّرة على شخص أو سيارة أو ممتلكات، أو تسببها في إتلاف أو إصابة، يفتح باب المسؤولية المدنية عن التعويض. وتقوم هذه المسؤولية على قواعد مستقرة في القانون المدني الكويتي، منها المسؤولية عن الفعل الضار ومسؤولية حارس الأشياء عن الأضرار التي تُحدثها الأشياء التي في حراسته، وهي قواعد تجعل المشغّل — ومن يستخدمه لحسابه في بعض الحالات — في موقف صعب أمام المضرور.
- التشغيل دون تصريح يُضعف موقف المشغّل كثيرًا، لأنه يجمع على نفسه المخالفة والخطأ.
- وجود تأمين مسؤولية مدنية يغطي عمليات التشغيل خطوة وقائية مهمة، خصوصًا للشركات، مع التحقق من نطاق التغطية والاستثناءات (التشغيل غير المصرّح به مستثنى غالبًا).
- توثيق كل عملية تشغيل (التصريح، الموقع، التوقيت، المشغّل) يفيد في إثبات الالتزام إذا وقع نزاع.
أما من الناحية الإدارية والجزائية فإن مصادرة الجهاز والجزاءات المقررة هي نتائج محتملة للمخالفة، وتختلف في شدتها بحسب طبيعة الفعل وموقع التشغيل، ولا نورد لها أرقامًا هنا.
إرشادات عملية
- للهواة: لا تُشغّل الجهاز قبل استيضاح المتطلبات والحصول على التصريح؛ وتجنّب المناطق السكنية المزدحمة والمواقع الحكومية والمطارات تمامًا.
- للمصورين: احصل على موافقة أمنية للتصوير وموافقة مكتوبة من مالك الموقع، ولا تُصوّر أشخاصًا محدّدين أو مساكن دون إذن.
- للشركات: اعتمد سياسة تشغيل داخلية، وسجّل الأجهزة، ودرّب المشغّلين، واحتفظ بملف التصاريح والتأمين، ونظّم المسؤولية في العقود.
- للجميع: راجع الحظورات المؤقتة قبل كل عملية، ولا تنشر موادًا قد تُظهر بذاتها مخالفة.
خاتمة
الخلاصة أن استخدام الدرون في الكويت ليس نشاطًا حرًا، بل نشاطًا مصرّحًا به: الأصل فيه الحصول على موافقة مسبقة من الإدارة العامة للطيران المدني مع الموافقة الأمنية اللازمة، والالتزام بالقيود المكانية والزمانية، واحترام خصوصية الآخرين. والمخالفة قد تتجاوز الغرامة الإدارية إلى مسؤولية جزائية أو التزام بالتعويض.
وإذا كنت هاويًا تريد تسجيل جهازك، أو مصورًا أو شركة تخطط لاستخدام الدرون في نشاط تجاري، أو كنت طرفًا في واقعة تصوير أو ضرر ناتج عن طائرة مسيّرة، فإن يمناك لأعمال المحاماة على استعداد لدراسة حالتك وبيان الإجراءات والمخاطر القانونية وتمثيلك أمام الجهات المختصة والقضاء. هذا المقال معلومات عامة ولا يُعد استشارة قانونية في واقعة بعينها.