يمثل الموسم الربيعي في الكويت تقليداً اجتماعياً راسخاً، إذ تنتقل مئات الأسر إلى البر لإقامة المخيمات والخيام لأسابيع أو أشهر. وخلف هذه الصورة الاجتماعية توجد منظومة قانونية وإدارية تنظم الموسم: تصريح لإقامة المخيم، وقواعد للسلامة، ومسؤولية قانونية تترتب على صاحب المخيم إذا وقع ضرر. وفي هذا المقال نعرض المبادئ العامة التي ينبغي أن يعرفها كل من يقيم مخيماً أو يؤجره، مع التنبيه إلى أن الجهات المختصة تصدر شروط كل موسم وتحدد ضوابطه، ولذلك يجب التحقق من الشروط السارية وقت التقديم.
نظام التصاريح والجهات المشرفة على الموسم
الأصل أن إقامة المخيم في المناطق المخصصة للتخييم تستلزم الحصول على تصريح يحدد الموقع ويرتبط بشخص طالب التصريح. ويأتي الإشراف على الموسم بتنسيق بين عدة جهات، في مقدمتها وزارة الداخلية التي تتولى الجانب الأمني ومنح التصاريح وضبط المخالفات، وبلدية الكويت فيما يتعلق بالإشغال والنظافة وإزالة المخلفات، والهيئة العامة للبيئة فيما يتصل بحماية المناطق الطبيعية ومنع التلوث، إلى جانب الإدارة العامة للإطفاء في شأن متطلبات السلامة والوقاية من الحرائق.
وتُحدد فئات التصاريح ومساحات المواقع والرسوم والمستندات المطلوبة بقرارات إدارية تصدر مع بداية كل موسم، وقد تتغير من سنة إلى أخرى. ولذلك فإن السلوك القانوني السليم هو مراجعة الجهة المختصة أو منصتها الإلكترونية للاطلاع على الشروط المعلنة للموسم الحالي، وعدم الاعتماد على معلومات موسم سابق. كما أن إقامة مخيم بغير تصريح، أو في غير الموقع المحدد في التصريح، تعرّض صاحبه للمساءلة الإدارية وإزالة المخيم.
أماكن يُحظر فيها التخييم من حيث المبدأ
لا تُتاح الصحراء بالكاملة للتخييم، إذ تُستثنى مساحات واسعة لأسباب بيئية أو أمنية أو لتعلقها بحقوق الغير. ومن المناطق التي يُحظر أو يُقيَّد فيها التخييم بحسب ما تعلنه الجهات المختصة:
- المحميات الطبيعية والمناطق المحجوزة لإعادة تأهيل الغطاء النباتي.
- المنشآت النفطية ومحيطها، وخطوط الأنابيب والمرافق الحيوية.
- المناطق العسكرية وميادين التدريب والمواقع الأمنية.
- المزارع والقسائم الزراعية والأملاك الخاصة، فالتخييم فيها بغير إذن المالك اعتداء على حق الغير.
- المواقع القريبة من الطرق العامة أو التي تعرقل الحركة أو تحجب الرؤية، وفق المسافات التي تحددها الجهة المختصة.
ولا نذكر هنا مسافات أو أرقاماً محددة، لأن هذه التفاصيل تُعلن في ضوابط كل موسم وينبغي التحقق منها آنذاك.
بداية الموسم ونهايته وواجب الإزالة والتنظيف
تُحدد الجهات المختصة تاريخ افتتاح الموسم وتاريخ انتهائه في كل سنة، ويترتب على انتهاء الموسم واجب قانوني على صاحب التصريح بـتفكيك المخيم وإزالة جميع منشآته ومخلفاته وإعادة الموقع إلى حالته الطبيعية. والتخييم بعد انتهاء الموسم، أو ترك المخلفات والأنقاض والأسيجة في الموقع، يعرّض صاحب التصريح لمساءلة إدارية وبيئية قد تشمل جزاءات مالية ومطالبته بتكاليف الإزالة، فضلاً عن أثر ذلك على قبول طلبات التصريح في المواسم اللاحقة. ونشير إلى هذه الجزاءات بصورة عامة دون تحديد مقدارها، لأنها تُقدَّر وفقاً للتشريعات واللوائح السارية وطبيعة المخالفة.
واجبات السلامة على صاحب المخيم
أخطر ما يهدد المخيمات هو الحريق والاختناق، وأكثر الحوادث ترجع إلى أسباب يمكن تجنبها. ومن الواجبات العملية التي يقتضيها الحرص المعتاد:
- تخزين أسطوانات الغاز في مكان جيد التهوية وبعيد عن مصادر اللهب، مع فحص المنظم والخراطيم دورياً.
- عدم تشغيل المدافئ داخل الخيام المغلقة أثناء النوم، لخطر أول أكسيد الكربون الذي لا لون له ولا رائحة.
- وضع المولدات الكهربائية خارج أماكن الجلوس والنوم، وسلامة التمديدات والقواطع.
- توفير طفايات حريق صالحة وفي متناول اليد، ومعرفة أفراد المخيم بكيفية استخدامها.
- مراقبة الأطفال ومنع اقترابهم من النيران والمدافئ والمولدات ووسائل الطبخ.
هذه الواجبات ليست توصيات أخلاقية فحسب؛ فالإخلال بها هو المعيار الذي يُقاس به الخطأ عند البحث في المسؤولية بعد وقوع الحادث.
المسؤولية المدنية والجزائية عند وقوع الضرر
إذا أصيب ضيف أو جار أو احترقت أموال الغير، فإن المسؤولية تُبحث في ضوء مبدأين مستقرين في القانون المدني: المسؤولية عن الفعل الشخصي، ومناطها الخطأ الذي أضر بالغير ولو كان خطأً غير مقصود كالإهمال وعدم الاحتراز؛ والمسؤولية عن الأشياء التي تحت الحراسة، ومناطها أن من يتولى حراسة شيء يحتاج إلى عناية خاصة أو يشكل خطراً — كأسطوانات الغاز والمولدات والمعدات — يُسأل عن الضرر الذي يحدثه هذا الشيء، مع مراعاة ما يقرره القانون من أسباب دفع المسؤولية كالقوة القاهرة أو خطأ المضرور. وتقوم المسؤولية على أركانها الثلاثة: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية بينهما، ويقدرها القضاء في ضوء ظروف كل واقعة.
وإلى جانب المسؤولية المدنية، قد تترتب مسؤولية جزائية إذا أدى الإهمال إلى إصابة شخص أو وفاته، إذ يعالج قانون الجزاء صور الإيذاء والقتل الخطأ الناشئة عن الرعونة وعدم الاحتراز ومخالفة القوانين واللوائح. ولا نورد هنا نصوصاً أو عقوبات بأرقامها، لأن التكييف والعقوبة يتوقفان على وقائع كل قضية وتقدير جهات التحقيق والمحكمة.
تأجير المخيمات والخيام تجارياً
توسّع في السنوات الأخيرة نشاط تأجير المخيمات المجهزة والخيام، وهو نشاط ذو طبيعة تجارية تستدعي الانتباه إلى أمرين. الأول أن ممارسة النشاط التجاري بصفة معتادة تقتضي في الأصل ترخيصاً من الجهات المختصة، وقد تُفرض للنشاط شروط خاصة تتصل بالسلامة والموقع، ويجب التحقق من متطلبات الترخيص السارية قبل العرض والإعلان. والثاني أن العلاقة مع العميل علاقة عقدية يحكمها ما اتفق عليه الطرفان، ومن الحكمة أن يكون العقد مكتوباً وواضحاً في: مدة الإيجار والموقع ووصف التجهيزات، ومبلغ العربون أو التأمين وشروط استرداده، وسياسة الإلغاء والتعديل، وتحديد المسؤول عن السلامة والصيانة، وحدود التزام المؤجر عن حوادث تنشأ عن استخدام المستأجر. فالعقد الواضح يقطع الخصومة قبل نشوئها، والعقد الغامض يجعل المؤجر والمستأجر أمام تفسير قضائي لم يتوقعه أي منهما.
الدراجات الرباعية والمركبات والتأمين
تُعد الدراجات الرباعية (البُغي) من أبرز أسباب الإصابات في البر. وقيادة الأحداث لها أو للمركبات دون السن القانونية وبغير رخصة يشكل مخالفة، ويرتب في الوقت ذاته مسؤولية على من سلّمهم المركبة أو أهمل في الرقابة عليهم. ومن الناحية التأمينية، فإن تغطية وثائق التأمين قد لا تمتد إلى الاستخدام خارج الطرق أو إلى قيادة شخص غير مرخص، ما قد يحمّل المالك عبء التعويض بنفسه. والتصرف السليم هو الاطلاع على نطاق التغطية في الوثيقة قبل الموسم، ومنع غير المرخصين من القيادة.
الإزعاج والخلافات بين المخيمات المتجاورة
يقوم التجاور في البر — كالتجاور في المدن — على قاعدة عدم التعسف في استعمال الحق وعدم الإضرار بالغير. فالأصوات المرتفعة في أوقات الراحة، والإضاءة المزعجة، وإشغال المسارات، ورمي المخلفات عند حدود مخيم الجار، كلها صور قد ترتب مساءلة إدارية أو مطالبة بإزالة الضرر والتعويض. ويبقى الحل الأفضل هو التفاهم المباشر، ثم اللجوء إلى الجهة المختصة عند تعذره، مع توثيق الواقعة.
الصيد وإطلاق الأعيرة حول المخيمات
الصيد وحمل الأسلحة واستخدامها منظمان بتشريعات خاصة لها شروطها وتراخيصها وأماكنها وأوقاتها، وإطلاق الأعيرة قرب المخيمات يجمع بين مخالفة تلك التشريعات وتعريض حياة الناس للخطر. ولأن هذا الموضوع مستقل بذاته، نكتفي بالإحالة إلى قواعد الأسلحة والصيد المعمول بها، ونؤكد أن الترخيص بالتخييم لا يعني بأي حال إذناً بالصيد أو باستخدام السلاح في الموقع.
قائمة تحقق عملية
- قبل الموسم: الاطلاع على ضوابط الموسم المعلنة، استخراج التصريح باسم صاحب المخيم، التحقق من أن الموقع غير محظور، فحص الغاز والتمديدات والمولد، شراء طفايات حريق، مراجعة وثيقة التأمين، وتوثيق عقد الإيجار إن كان المخيم مستأجراً أو مؤجراً.
- خلال الموسم: الالتزام بحدود الموقع المصرّح به، إبعاد مصادر اللهب عن الخيام، عدم ترك المدافئ مشتعلة أثناء النوم، منع الأحداث من قيادة المركبات، احترام راحة المخيمات المجاورة، والاحتفاظ بأرقام الطوارئ في متناول الجميع.
- بعد الموسم: تفكيك المخيم في الموعد المحدد، إزالة جميع المخلفات والأسيجة، تسوية الموقع، والاحتفاظ بما يثبت الإزالة والتنظيف.
خاتمة
المخيم الربيعي مسؤولية قبل أن يكون متعة. فالتصريح يحمي الموقع، والسلامة تحمي الأرواح، والعقد المكتوب يحمي المال، والإزالة في موعدها تحمي البيئة وسجل صاحب التصريح. وما ورد في هذا المقال هو عرض للمبادئ العامة ولا يُغني عن الرجوع إلى الشروط المعلنة للموسم الجاري من الجهات المختصة.
وإذا كنت بصدد حادث حريق أو إصابة في مخيم، أو نزاع حول عقد تأجير مخيم، أو مخالفة إدارية تتعلق بالتصريح أو بالمخلفات، فإن تقييم موقفك القانوني يحتاج إلى فحص وقائعك ومستنداتك على وجه التحديد. ويسر يمناك لأعمال المحاماة تقديم الاستشارة ودراسة حالتك ومتابعة مطالباتك أمام الجهات والمحاكم المختصة. هذا المقال معلومات عامة ولا يُعد استشارة قانونية.